صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حالة حَكي·· صامتة

السعد المنهالي
عندما تمتلك الكثير من المشاعر المتدرجة بين الحزن والخوف والغضب والأفكار السوداء المؤلمة وقدراً هائلاً من الدموع ولا تجد شيئاً تفعله للتعبير عن كل ذلك، فأنت تعاني حالة حكي·· صامتة؛ صامتة من كل فعل سوى الكلام؛ كلام يقال على استحياء وخجل، لأن من تريد أن تتحدث عنهم أكبر من كل الكلمات· لذا سأحكي بصمت عن بقايا أثاث تناثر على حطام بيت سكنه أناس كان آخر ما شاهدوه عبر الفضائيات طائرات قبيحة تحلق فوق بيتهم· سأحكي بصمت عن زهور صغيرة لم تجد مكاناً تنبت فيه غير ضريح طفل لم يسمح الوقت لأمه باكتشاف أن أسنانه الأمامية قد بدأت في الظهور· وعن ألوان خشبية وورق رُسمت عليه شمس كبيرة وشجرة بثمر أحمر لمعلمة رسم في مدرسة أطفال تهشمت تحت عجلات دبابة حمقاء· وسأحكي عن نظرة أخيرة من عيون طفلة صغيرة تبحلق برعب شديد في وجوه لا تعرفها بحثاً عن أمها· سأحكي كذلك عن طرحة عروس تحولت إلى خرقة بلون التراب لعروس قطعت يدها في غارة فيما كانت تتدرب على الطريقة التي ستمسك بها ذيل فستان زفافها، وعن كتاب حرقت صفحاته فلم يبق منه سوى صفحة غلاف عليه اسم طالب في سنته الجامعية الأخيرة، حلم طويلاً بانتهاء دراسته لكي يساعد في إعالة أسرته التي قَضت وقَضى معها· وسأحكي بصمت عن ذرات تناثرت من كيس طحين أبيض حصل عليه رب أسرة بعد ساعات طويلة من الانتظار على أحد مراكز الإغاثة، وقد اختلطت بدمائه· سأحكي عن كُرة نفد هواؤها مهملة على طريق موحش لصبي بُترت ساقاه جراء قصف على منزل أسرته· وعن مشط وردي تكسرت أطرافه لفتاة اكتشفت للتو طريقة جديدة للف شعرها تظهر بها أكثر أنوثة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة· سأحكي عن لفافة صوف بلون أخضر تعقدت خيوطها واختلطت بورق الأرض كانت لجدة تحيك كوفية لحفيدها قبل أن تصطحبه من يده بعيداً عن منزلها إلى مكان مجهول آمن· حكايات كثيرة سأحكيها بصمت عن أشياء لا أشخاص؛ تلك الأشياء التي يشترك العالم بكل سكانه فيها، لعله يوقن أن أشياءه أيضاً معرضة لذلك؛ سأحكي عن الأشياء لأن الأشخاص هناك في غزة لا يحتاجون من يحكي عنهم، فدماؤهم ستحكي طويلاً، بل ستظل تحكي أبداً· Als_almenhaly@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

أول الشرر!

قبل 17 ساعة

«نبلاء» العصر

قبل أسبوع

الخيال الممنوع

قبل أسبوعين

شكراً 2019

قبل 3 أسابيع

بيت «حصة»

قبل شهر

مجرد.. صورة

قبل شهرين
كتاب وآراء