خلال الأيام القليلة الماضية انتابتنا موجة غضب عارمة جراء إساءة إحدى الشركات العالمية لإنتاج الملابس للدولة من خلال علم الإمارات. سورة الغضب من تلك الفعلة-سواء كانت بحسن أو سوء نية- لم تكن سوى مظهر عفوي وبسيط من مظاهر الشعور بالانتماء يملأ الجوارح ،ويغمر المشاعر،ويحرك الوجدان، ويسير الأفعال نحو وطن غال، مهما فعل الإنسان لا يمكن أن يفيه حقه. مشاعر وأفعال لا ترتبط بوثائق، ولا تختصر بزي أو جواز سفر. إنما مجموعة ممارسات وسلوكيات يرضعها المرء وتترسخ داخله تجاه أرض اكتحلت عيناه بها منذ أن أبصر الحياة عليها. أقول قولي هذا، بينما أتابع جهات عدة،لا تنفك تطالعنا بأدبيات برامجها وفعالياتها، وهي تتناول بتسطيح مسائل تعزيز الانتماء،كما لو أن هذه الأجيال تعاني من ضعف فيه، واختلاق إشكالية بين الهوية والانتماء في قضايا وأمور لا تحتاج إلى كل هذا التنظير والتبصير،قدر ما تتطلب من واضعي هذه البرامج التبصر فيما يقولون. خاصة عندما تتأمل وتدقق في الفقرات التي يطرحون ضمن غالبية تلك المناشط،لا تجد سوى إقامة بيوت للشعر، وتقديم أكلات شعبية، واستعراض صقر او جمل يتيمين،وكأنما تلك الأشياء هي من معززات الهوية. بل إن موسمية إقامة هذه المناشط تمثل بحد ذاتها انتقاصاً لجدية ما يطرحون. وكأن ملامح ومعالم تعزيز الهوية والانتماء مزارات تقام هنا او هناك، وفي مواسم محددة من العام. تشد إليها الرحال كما في رحلات الشتاء والصيف. ربما أرادوا أن يذكروننا بمقدار التحديات التي تواجه أجيال اليوم بسبب المظاهر»الكوزموبوليتانية» التي تحاصرهم، ولكن التصدي لها لا يتمثل فقط ببيت شعر او خيمة توزع فيها «اللقيمات او البلاليط والبثيت». إنما عمل مخطط ومتكامل وشامل ، ويمارس يوميا كل في موقع يترسم ما حملت الدعوة السامية للقيادة الرشيدة في عام الهوية الوطنية، باعتبارها المحرك لكل الأعوام والعقود اللاحقة،وهي قضية لها مكان الصدارة في الأولويات على كافة صعد العمل الوطني. أما أكثر الأشياء الأخرى التي تختلط على القوم عند التعامل معها،فهي كلمة «الاستراتيجية»،بحيث ألغوا معها «التكتيك»،حتى لو كان الأمر يتعلق بلقاء مسؤولي قسمين في البلدية، لا يخلو الخبر عن بحث في الاستراتيجية. أحدهم علق على تدنى الأداء اليومي في أحد المرافق البلدية، بأن القوم مشغولون بالاستراتيجية، وتركوا ملاحقة العمل اليومي الذي هو من صميم اختصاصهم. الأمر الذي يشير الى أزمة حقيقية في وضع الكلمة المناسبة، واستخدام التعبير الصحيح في المكان والظرف الصحيحين، وكأنما لا أحد يقدر على تشخيص وتحديد المراحل كما يفعلون أو يقدرون، بينما قال آخر إن هذه الصور من التلاعب بالألفاظ والكلمات الرنانة الطنانة الحنانة، لم تهبط علينا إلا مع تفشي وانتشار خبراء شركات العلاقات العامة إياها، ممن يغمرون بعض الدوائر ويحررون البيانات الصحفية لها بعقلية «الكيلو» أي كل ما كان البيان الصحفي محشوا بتلك العبارات البراقة،كلما كان الوضع مرضيا ومساعدا على قوة تدفق الدراهم. واستمرار العقود الى ما شاء الله. في أسلوب هو أقرب الى تحريف «الكلم عن مواضعه». ويتعاملون مع بديهيات في الشخصية الإنسانية،كما لو أنها جرعات تصرف بوصفات جاهزة، ويحددها النطاسي بجرعة ثلاث مرات بعد كل وجبة كاملة الدسم والشعور!!.