صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة السبت!

أحد الأصدقاء الجميلين من مدينة الظبي الجميل، حين قرأ عمود الأمس عن الحقائب الضائعة في السفر الكثير، وولعي بها، أهداني بدلاً عنها ثلاث حقائب ليست كالحقائب، فهي تحتاج لوصفها كلمات ليست كالكلمات، من تلك النوعية الفاخرة التي يطلق عليها في بلاد الأفرنج «سينييه» والتي تحتاج إلى دورة تدريبية، تنشيطية، لمعرفة التعامل معها، أو تحتاج لقراءة الـ«كاتلوج» بدقة وحرص، لكي تعرف فتحها وسرها، وأنا أكره قراءة الـ«كاتلوجات» وشهادات الضمان، ولأنها كذلك فهي تتطلب نوعاً من الضريبة عليك دفعها، كما تحتاج إلى «باركنك» وتحتاج إلى كراج غير الكراجات التي نرمي فيها حقائبنا القديمة، وسياراتنا «الكرنبع» و«التواير» المستعملة، كما أن لها شروطها الخاصة، فهي غير شنط الحجاج التي يحزّمونها، ويقمطّونها في «شادر» وغير شنط «إن كنت مسافر خذني معاك» أو الشنط التي تباع في الجمعيات التعاونية، فهذه ينبغي أن تركب لها الدرجة الأولى، وتترك عنك الركوب مع «العبريه» أو تستقل طائرات اللحم الرومانية المغادرة بالصدفة، أو تلك الطائرات التي تحملك أنت و«كشارك» بتذكرة «سيرة بن عروة» فـ «هيك حقائب، بدها غير مقاعد، وغير تذاكر، وحتى غير سهيلة»! كما ينبغي عليك أن تغلفها بالنايلون، وتزورّها الماكينة الكبيرة القابعة في ركن قصّي في المطارات الراقية، والتي كنت تعتقد دائماً أنها ماكينة لغسل الأرضيات، أو تلميع الرخام. هذه الحقائب الممهورة، والتي أقفالها لا تصدأ، ولا ترى، والتي تأتيك في قماشة مخملية زرقاء، تجعلك تخجل من نفسك أن تكدس فيها شيئاً قديماً متآكلاً، أو «تدحبها إلى عينها» أو تضع شيئاً ليس من وزنها، وقيمتها، فالبدل ذات القماش الرديء، والألوان الشاحبة، والتي تقنع نفسك كثيراً أن موديلها مازال ماشياً، ولم يعتره أي تغيير يذكر، عليك أن تبدلها بتلك التي تحلم أن تلامس جوخها الحريري، ذات القطع الإيطالي المميز، وربطات العنق الكورية والصينية، والتي تظل تلمع ليل نهار، والخمس منها بسبعين روبية، يجب أن تختار منها الفرنسي ذي الحرير الخالص 100 في المئة - هكذا مكتوب خلفها- وصناعة يدوية، أما العطور فلا تقبل إلا شغل الـ» ديوتي فري» تلك العطور التي حين تضعها تحس أنك مستحم، وحالق، ونظيف بدرجة عالية، وتصلح أن تعمل مباشرة في شركة مالية أجنبية، من التي تسكن الطوابق العليا من العمارات أو عند محام دولي نصاب، بابه زجاج، ولوحته مكتوبة بلغة إنجليزية بطريقة متقنة، وتخاف أن تدخل عنده! حقائب مثل تلك التي أبلاني بها أبو مبارك، غير كل الحقائب، تحس أنها تشبه نساء جميلات، بشعر ذهبي لوّحته الشمس، وجهتهن ليست صوب العربان، بل بلدان الأفرنج والقوط الأسبان، سفرة شتوية إلى جبال الألب، المونت بلان، غيشتاد، شومنيك، أو أقصى جبال الثلج الكندية، وصيفاً باتجاه ماربيا وجنوب إيطاليا، نيس، كان. حقائب تلزمك أن تنقد حاملها والمعتني بها، وماسكها، ودافعها، وموصلها، أنواطاً خضراء، وزرقاء، تسمع صوتها الجديد، مش مثل خردة «شيش البترول» عندنا. هذه الحقائب الماجدة، «مش شغل بيوت شعبية» أو شقق مثل العلب الكبريتية، أو فنادق «مسافر خانه» مسكنها الفنادق ذات النجوم الخمس، والسبع، وفئة تصنيفها عالٍ، ومقصوراتها في القطار أولى، وفي الباخرة «بالكونيه». أما تلك الحقيبة التي تشبه جرواً صغيراً، ونظيفاً، فلا ينبغي بك كإنسان متحضر، إلا أن تعاملها برفق، وتجعلها قريبة من حجرك، أو تحتضنها في تجاويف صدرك!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء