صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

من الأشياء الثقيلة التي استطاع السفر الحديث، وشركات الطيران التخلص منها أو الحد منها بشكل كبير، فقدان الحقائب أو تأخرها أو ذهابها إلى وجهة أخرى غير وجهة صاحبها، ففي السابق كان المسافر يظل قلبه يتقافز حين يقف أمام سلم الحقائب، يدعو الله ألا تكون حقيبته ضمن المفقودات، لأنها بيته الصغير، والمنتقل معه، وفيها أشياء عزيزة، وربما غالية في القيمة المعنوية، وفي الثمن المادي، ولأن بعض الناس تظل أشياؤهم عزيزة عليهم، لا يريدون أن يفقدوها هكذا، لارتباطهم بها أو بذكرى خاصة بها، أو ربما أخذت في سفر من مكان بعيد أو أهديت في مناسبة مهمة، وفقدانها يعني ضياع جزء من الذاكرة الحلوة، لذلك كان يحرص المسافر في الوقت البعيد أن يعلّم حقيبته، ويميزها بشيء أو بلون لكي لا تختلط بحقائب الآخرين. أما شوابنا الحجاج فيصرون أن يربطوا حقائبهم الكبيرة التي اشتراها لهم الابن أو البنت على عجل، ودون انتقاء يذكر، بحبال من النايلون الفسفورية،أو يلفها بشادر ملون، ويجلدها بالحبال زيادة في الحرص والحيطة، والتمييز، فتصبح الواحدة منها مثل «وخيفة الشوي» عامرة بكل شيء، بحيث ثلاثة أشخاص لا يمكنهم أن يزحزحوها. حقائب السفر تدل على صاحبها: جنسه، مؤهله التعليمي، ثقافته، محب للأسفار، شخص عملي، أم مسافر لأول مرة، أو متقطع السفر وحسب الحاجة، بخيل، كريم، غني، فقير، حريص، رياضي، متأنق، موسوس، مربك ومرتبك، وغير ذلك من صفات الشخصية! حين ترى حقائب ذات ألوان مثل الأصفر البرّاق أو الأخضر الفوّاح أو الأحمر المشع، تقول هذه الحقائب لذلك الواقف بسمرته الأفريقية هناك، أو لتلك المرأة السمينة بعمامتها ولباسها المزركش، مثل ألوان علبة الحلاوة الإنجليزية. وأن رأيت تلك الحقيبة الناعمة، المخططة، والتي تتمايل بلونها الأنثوي، فأيقن أنها تابعة الذي يبدو أنه يعمل «كوافير» في صالون يحتل ركناً بارداً في فندق من الدرجة الأولى، أما تلك التي تشبه حقائب الجنود بلونها الخاكي والأخضر العسكري، فهي عادة تخص فوج من جنود الأمم المتحدة أو القوات الدولية التابعة لها، من ذوي القبعات الزرق، والمنتشرة في دول مختلفة من العالم، أما الحقائب العملية والصغيرة فهي للأوروبيين عموماً أو لرجال الأعمال ذوي السفرات القصيرة والمتعددة. من ذكريات الحقائب الضائعة أو المتأخرة حدثت لي أربع مرات، مرة ضاعت مني في طريقي من جيبوتي إلى أديس أبابا، ويومها أيقنت أنها لن تأتي، واستخلفت الله فيها، واعتبرتها زكاة عن الصحة والعافية، ومرة تأخرت من باريس إلى المغرب ليومين، لكنها جاءت وان كانت متأخرة، على رأي المثل الفرنسي أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي مطلقاً، ومرة تأخرت لأسبوع من روما إلى تونس، حيث استبدلتها بحقيبة جديدة وملابس جديدة، وقبل سفري بيوم وصلت، فأحسست أنني لست بحاجة لها، والمرة الأخيرة، ضاعت في رحلة العودة من الحج، فقط وصلت الحقيبة الأخرى التي قد استغنى عنها، أما الحقيبة التي فيها الشفايا فقد مكثت في مطار جدة، أو سافرت إلى نيجيريا، أو لطمها واحد من أولئك الأفارقة الذين يظلون يطوفون حولنا، وحول «كشارنا» المرمي على أرضية مسفلتة، كنا نفترشها أيام كنا مجبرين أن ننام في ساحة مطار جدة لمدة يوم أو يومين، في انتظار أن تصل طيارة أم أحمد، لتقلنا إلى الديار!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء