لاذ نشال معبد جزيرة «بالي» الصغير بصخرة حادة وعالية، وتحتها مهوى عميق يصل للبحر، فلم نقدر أن نصل إليه، خاصة والصديق «بدر عبد الملك» كان يعد عليّ حينها كل أنواع «الفوبيا» أو الرهاب الذي يصيب الإنسان في حياته، خاصة الخوف من المرتفعات العالية، وخوف السقوط من علٍ، ذلك الذي يجعل عضلات البطن تتقلص، متذكراً وقعة البئر العميقة في الصغر بقامات ثلاثين رجلاً، ورغم كل محاولاتنا أن نستميله ليرجع لنا ما اختطف، وكل المغريات التي توافرت ساعتها في أيدينا لكي يرضى بها، ويسلمنا مسروقاته، فقد ظل ينتقل من مكان إلى مكان بخفة عالية لم نستطع أن نجاريه، لا أنا بالكيلو جرامات الزائدة، ولا الصديق «بدر» لخوفه وتوجسه الدائم من تحرك فجائي لعصبة نائمة، أوقظت دون إحماء على عجل، والتي يمكن أن تجعله يئن بطريقة مجانية ليالي بطولها، ولا المرشد الإندونيسي لجبنه الواضح، والذي يزداد بشدة مع النحول في الجسد، وبروز عظام الترقوة. كيف كانت السرقة؟ انقضاض سريع كالبرق من شجرة عالية، بعد أن حدد الهدف، وحدد الطريقة، واختار الرجل المناسب، واستغل نقطة الانشغال بالتصوير والتركيز على اللقطة، وتصوير إخوانه اللاهين مع أمهم العجوز المتكاسلة في الظل، استغل كل ذلك، وربما كان يتابعني من بعيد، ومنذ دخولي، وبحرفية متناهية، كرصاصة سريعة، وصلت يده إلى نظارتي الطبية الخفيفة كزجاج موصى عليه، ومنتقى بعناية، رغم أنها لاصقة على وجهي، ولاصقة على منظار الكاميرا، إلا أنه انتزعها بسلاسة متناهية، كان انتباهي مركزاً على جيوبي، ولم أتوقع أن يأتيني هذا النشال الصغير بحجم يد متعافية من مأمن الحذر، ليعميني، ويشلّ حركتي، ويجعلني مرتبكاً، يد على الكاميرا، ويد على مخابئ النقود والبطاقات، ولا يعرف مقدار الضرر لفقد نظارة طبية، إلا لمن ابتلى بثلاث درجات ناقص وأكثر. لقد لاذ قرد المعبد أو النشال الصغير بنظارتي، وجلس يتفحصها، ويضعها على وجهه بالمقلوب، ثم ظل يمطها من أطرافها، وينظر إلينا بتشف، وسط توسلاتنا بغرمول موز، وسلة فول سوداني صغيرة، مما يباع في ذلك المكان عادة، ويطعم هؤلاء القردة المتقافزين، لكنه بدأ بقرض أطرافها بأسنانه المنشارية الصغيرة، وأخيراً حطمها، ثم رماها لنا، محتفظاً بذلك الزهو، وشهقة الانتصار. شعرت حينها كالمصلي نهار الجمعة، سرقت نعاله من المسجد، ليس المهم سرقة النعال، وليس المهم الرمضاء، المهم أنك ستمشي حافياً أمام الناس، بحيث لا يتماشى نصفك الفوقاني مع نصفك التحتاني، وهنا أنت عرضة لتعليقاتهم ودهشتهم وأسئلتهم، وهكذا النظارة ستظل كالأعشى بالكاد تبصر طريقك، ولا تريد أحداً أن يقودك في عمرك الغض، ولا أحد يشمت بك، لأنك ساعتها لن تفرق كثيراً بين شبح فيلة يتبعها أطفالها المهرولون، وشاحنة مارة مصادفة على طريق الغابة!