صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

يا سالم.. لملمت الشتات ورميت المفتاح

يا سالم.. لملمت الشتات ورميت المفتاح وتلاشيت في الغياب المرير.. من صلب وترائب الفضيلة المبجلة جئت وانفتحت مقلتاك على الدنيا بأسئلة الوجود.. لا شك أنك كنت تسأل هؤلاء الذين يجيئون ويذهبون.. يذهبون ولا يأتون، ولكنك يا سيدي أنت الآن تذهب لتسكن في مقلة الذين يحبونك حتى الدنف، يقرؤون المشهد والصور الجميلة لإنسان كرّس في الوجدان ابتسامة أشف من الماء، أرق من أجنحة العصافير التي تركتها وحيدة في قفص الأسئلة المبهمة، وتركت سيرة أرملة تخبئ في القلب المعنى ونشيد الأعطاف المبعثرة، تركت زجاجة عطرك تفوح بذاكرة مفعمة بمنجل الأيام والأحلام، تركت صغاراً لم يرتووا بعد من حنان الرجل النبيل، لم تكتفِ عيونهم من مشهد الألفة الحانية واليد التي كانت تطوق أجسادهم البضة. يا سالم.. الأعمار كالحلم تطوي سجلها وتمضي، لكن الصورة تنحت في الصدر، نقوشها الأبدية تتسرب في ضجة الناس وهجاً ولهجاً، فتتساءل الجدران عن ثوب هنا علق مشجبه في انتظار صاحبه، في انتظار الجسد الذي سيلتف حوله ويأخذه إلى حيث الصلاة والتلاوة المباركة، إلى حيث أنت تسير باتجاه قِبلة الأصدقاء والأحباء، وأحباؤك كثر يا سيدي. يا سالم.. وأنت مسجى على لوح النفير الأخير، ابتسامتك، طلتك، طلعتك، كان ذلك النشيد وبيت القصيد والفاجعة الرهيبة التي زلزلت الكيان والبنيان وهزت الأركان والأشجان، فاغرورقت العيون تغسل دهراً وعمراً وفكراً، وما تبعثر من سنين العمر في شوائب وخرائب ومصائب ومصاعب ونواكب ومثالب هذا الزمان، زماننا الذي لا نعرف كنهه إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن تتهشم أواني القلب، وتتحطم زجاجات الروح إثر الارتطام المريع. يا سالم.. وأنت محمول على الأكتاف إلى حيث الكنف الأخير، أسرجت معك جياد الفكرة، وهنا تضيع يا سيدي المعاني ويضيع من يتبعون الخطوات باتجاه العزلة، يضيع الذين يتذكرون محسناتك البديعة، وهي أكثر من ذرات الرمل التي لامست قدميك، نضيع نحن الذين تهزمنا الأسئلة وتتفاقم في رؤوسنا أيامك التي مرت كأنها السحب، غسلت تربة القلوب بالماء والبَرَد ثم اختبأت في طيات الغياب، وهنا نحن نتوسل ونتبتل ونبتهل، نقول يا رب السماء والناس، الطف بعبدك وارحم قلوبنا من محنة الحنين واجمعنا بالصالحين من عبادك المخلصين. يا سالم.. والجموع تتلقف التعازي، كان عزاؤنا فيك هو أنك الغائب الحاضر، في عشاب القلب، وما تسرب في الروح من طفولة رائعة كنت أنت عشبها الأخضر. علي أبو الريش | ae88999@gmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء