صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

من حكاية لم تكتمل

يمكن لبعض الناس أن يعقدوا ذلك الميثاق والعهد بينهم وبين الساكنين الأراضي الواطئة أو القاطنين كهوف الأفلاج المائية، ولأن هذا العهد كبير، فقليل من قدر على حمله، وحافظ على أسراره، فالقصص تكثر عند أولئك الذين لم يقووا على الإتيان بما يطلب منهم السحرة، غير أن الكثير منهم انتهى الأمر به إما مخبولاً يخاف من شيء مبهم، ويبقى يتحرطم بكلمات لا يعرفها الناس، لذا يردون أمره لقراءة كتاب الغزالي الذي لم يستطع أن يتمه، فأصيب بالخرف ثم ركبه الجنون حتى يستسلم للسحرة في أحد عشاءاتهم المتأخرة ليلة الثلاثاء حين تدق طبول الزيران، ودفوف استدعاء السادة، وتلبية طلباتهم، كانت شروط قبول الدخول في سلك السحرة تتطلب أن يقف الرجل عند طلوع الشمس، ويتبول في وجهها ساعة إشراقها الأولى، بعدها يضحي بقربان من أهله منتقى، ومختار من جانب كبيرهم، ليلة العمادة وارتداء زي طقوس الليل النيلية أو المصبوغة بالورس الخردلي أو الزعفراني، يطعم كبيرهم قطعة صغيرة من كبد القربان. في وسط غابة نخيل العين، كانت هناك ثمة نخل متطرفة، ووحشية ذات أشواك طويلة، وخضرتها مغبرّة، لا تطأها قدم، فرطبها يتيبس في أمهاته، وصاحبها حياة بن سالومه فزعته الأصوات والصريخ الآدمي المتألم، والخارج كألم طفل لم يكبر، كان الأهالي يروون أن بن سالومه ترك نخله، لكن الجن لم يتركوه، فبقى حبيساً مشلولاً في بيته حتى مات من صريخ الليل، أولاده اليتامى حلفت عليهم أمهم ألا يقربوا النخل ما دامها حيّة ترزق. غدت تلك النخل سبيلاً للقادمين الغرباء الذين لا يعرفون شيئاً، يدخلونها ويأكلون من ثمرها حتى يكتشفوا ثمرها المرّ أو يروا تلك الخيالات لأشخاص يظهرون في مشهد ضبابي أو يتقافزون بسرعة أمام العين أو يعرفوا من بعض الأهالي حكايات تحاك حول تلك النخل الملعونة، حتى صارت مرتعاً لكلاب المقابر الضالة، ومرمى لأحجار كثيرة تلقى فيها، وروائح غريبة تنبعث منها بين الحين والآخر، لم يقدر الأهالي أن يميزوها، فعزوها إلى أكل الجن التهم الذي يصنع بلا ملح وتوابل، وبعضهم ردّه إلى عرق السحرة الذي يبقى عالقاً في المكان لثلاثة أيام متتالية بلياليها. استقر في تلك النخل رجل قيل إنه قدم فجأة من جبال الحجر في عُمان، ومرة قيل إنه قدم من الغبّة الزرقاء لائثاً على خشبة، إلى أن التقطه أحد البحّارة على شاطئ الباطنة، كان أشبه بسمكة نافقة، لاهثاً على الساحل ينزف وجلده منتفخاً، ومبرراً من الماء المالح، لكن بعض من يتسامر معهم، كان يسرب لهم قصصاً عنه، وعن حياته الأولى، ويهذي بأمور لا يعرف الأهالي معاني لها، كالتهريب واللنشات وسبائك الذهب، وسوق البانيان في بمبي، وكلمات هي خليط من الأردية والفارسية والسواحلية.. ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء