جملة “الزمن يعيد نفسه” أو “ التاريخ يعيد أحداثه “، لا يوافق عليها علماء الاجتماع والسياسة على اعتبار أن الأحداث لا تتكرر حتى وإن بدت متشابهة في تفاصيلها فهناك دائماً اختلاف في الكليات، نحن من يعتقد بأن الحدث يتكرر لكن ذلك غير صحيح، الحدث يصنعه الإنسان في زمن معين وفي جغرافيا محددة، والإنسان هو هو لن يتحول إلى كائن آخر، أما الزمن فيختلف حتماً وأما القيم الفاعلة والغرائز المحركة والقوانين المؤثرة فهي حتماً تختلف باختلاف الدرجة التي وصل إليها الإنسان في سلم التحضر والتقدم، لذلك يفترض ألا يكرر الإنسان أخطاءه وكوارثه ولا يعيد إنتاج إفلاساته الحضارية، إلا إذا كان مفلساً بالفعل أو لم يتعلم عبر مسيرته شيئاًً يحصنه ضد غباء تكرار الأخطاء !!
في عالمنا العربي لدى الإنسان هواية التكرار والإعادة، ولديه عادة التشبث بما يعرفه وبما هو معتاد عليه، هذه الصفة التي قلنا بالأمس إنها السبب في صراعات الأجيال وخلافات الآباء والأجداد مع الصغار، نحن لا نتقبل الجديد بسهولة ولا نعي الأفكار الجديدة بشكل سريع، وكل جديد ننظر إليه بريبة وعدم ثقة، على اعتباره يشكل تهديداً مباشراً لقيمنا وعاداتنا وهويتنا ... الخ، دون أن نحاول بعض الشيء التمعن في الأمر ، فلو أننا فكرنا قليلاً لعرفنا بأن التاريخ لا يعيد نفسه أبداً، وإلا لبقينا في العام الأول قبل الميلاد نراوح المكان نفسه والحياة البدائية نفسها، لكن التغيير سنة ثابتة من سنن الله في الكون وفي الخلق، وعلى هذا القانون قام العالم كله.
معروف أن الإنسان عدو ما جهل، ومن هنا يحارب الناس الجديد دائماً لأنه يشكل تهديداً لنمط الحياة الذي اعتادوا عليه وارتاحوا له، مع ذلك فإن التجريب سلوك ضروري علينا أن نؤمن بأهميته حتى لا نتخذ مواقف متشنجة من المستجدات لمجرد أننا لا نعرفها، وحتى لا تتسع الهوة بيننا وبين أبنائنا والآخرين .فالحياة تذهب إلى الأمام لا إلى الخلف ولا تبقى مكانها أبداً وهذه سنة أخرى من سنن الله في الكون.
يريد كثير من الناس أن يعيش أبناؤهم الحياة التي عاشوها، وأحياناً ينتقدونهم لأنهم أبناء اليوم وجيل اليوم، ما يجعلهم يطلقون عليهم تسميات تبدو في ظاهرها سلبية أو يريد الأهل تحميلها معاني سلبية كنوع من إظهار سخطهم أو عدم اتفاقهم مع سلوكيات أبنائهم فيسمونهم : جيل الإنترنت، جيل الفاست فود، جيل الهامبرجر، جيل البلاك بيري، ... الخ ، ولو تأملنا قليلاً في الأمر فلن نجد هناك أي داع لاعتبار هذه المسميات أمراً مثيراً للغضب، فهذه المستجدات المعاصرة هي ما يميز هذا العصر فعلاً، وأن هؤلاء الصغار لن يكونوا إلا جيلاً ينتمي لعصره، كما قال أحد الصحابة “ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم فإنهم خلقوا لحياة غير حياتكم”.
الزمن لا يعيد نفسه وإنما نحن من يجب أن نعيد إنتاج قدراتنا على تقبل مستجدات الزمن مع امتلاك قدرات الأخذ بما هو مناسب وصالح والتصدي لما هو غير ذلك، أما رفض الجديد والصراع مع الأجيال والقطيعة معهم فليس من العقل ولا من الحكمة في شيء.

ayya-222@hotmail.com