صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الصيف.. حازم الحقائب

في الصيف تغادر الطيور أوكارها محلقة في فضاء الله باتجاه برودة لا تجمد وحرارة لا تسح العرق ولا تحرق الجسد.. في رحلة الصيف يبحث الناس عن شتاء ينث بالقطرات السماوية ويهف بالنسيم العليل ويعلل بالخضرية الندية اليانعة.. في الصيف أبناء الإمارات بلابل تغرد على أغصان بلدان لا يكويها صيف ولا تغرقها رطوبة، بلدان فيها من نعيم الطبيعة ما يخلب اللب ويسلب القلب ويحيي العظام ويعيد للدماء حيويتها ونشوتها وانتشاءها ودورتها النشطة. في الصيف يحزم كل حقائبه ويطير والبعض يجمع كل ما لديه وما تيسر وما تعسر من أجل رحلة لا تتجاوز شهراً ليرى في بلدان وأوطان ما لا يراه النائم في أوج سباته.. في الصيف تكون الرغبة جامحة لدى الأبناء والزوجات، والزوجات أكثر إلحاحاً وإصراراً ولهن في ذلك حاجة في النفس وما على رب الأسرة إلا الرضوخ والخنوع أمام عيون تشع براءة تريد أن تفتخر تحليقاً في فضاءات بعيدة وعيون أخرى تلمع بأشعة إكس لا يستطيع أي رجل كان أن يرفض طرفة جفن أو غمضة عين.. ولا حل غير السفر ولكن، وكما أن للسفر سبع فوائد فإن ما نفعله والتساهل والتجاهل ونسيان التزامات بلاد الغربة وعدم الاهتمام بما تحمله اليد ولا تضمه الحقيبة وما يسور المعصم وما يطوق العنق يجعل من السفر مصائب وخراب ديار وقد يستجد ما هو أفظع وأشنع وأشد مرارة.. المسافر الذي لا يعي أنه في بلاد غير بلده وأنه قد يتعرض لأي طارئ وقد يفاجأ بالسرقة أو الاختطاف أو الاعتداء أو حتى القتل فإنه في هذه الحالة يقوم بمجازفة لا تحمد عقباها.. المسافر الذي لا يعي مخاطر السفر فيذهب إلى بلاد الدنيا هائماً على وجهه، تائهاً كعابر السبيل، فإنه يضع نفسه أمام مخاطر جمة وأهوال تفتك بالأموال.. السفر والترحال سنة بشرية على مدى الزمن وقد عرف أبناء الإمارات السفر إلى بلاد الهند وشرق أفريقيا منذ زمن بعيد وعرفوا وتعرفوا على عوالم وثقافات وحضارات ولكنهم كانوا يذهبون إلى أهداف وأغراض منحتهم الفوائد، أما اليوم فإن بعض المسافرين من أبنائنا وأهلنا يطلون على العالم بوجوه مندهشة لا تعرف مقرها ومستقرها، ويذهبون بعقول تغيب المنطق في حلها وترحالها مما يعرض الكثير من هؤلاء إلى الخطر، ويفقدهم لذة السفر ولا يحصدون من وراء ذلك غير الخسارة والكدر. اليوم تذهب بعض الأسر وفور أن تحط رحالها تنيط أمور الأطفال بأيدٍ غريبة أو جعل الحبل على الغارب وترك الأطفال يهيمون في الشوارع كالمشردين بحثاً عن مستلزمات صغيرة، بينما يغيب الكبار ويلهون في متطلباتهم الخاصة، الأمر الذي يعرّض الصغار لأخطار ويصيب الكبار بالندم يوم لا ينفع الندم.. قلوبنا مع كل مسافر يحمل الحقائب المكتنزة بكل ما يحتاجه وما لا يحتاجه، ويحزم معه الحلي والمجوهرات، ونقول الحذر واجب، وما لا داعي لحمله يجب ألا يصبح وزراً ثقيلاً وطُعماً يفتح عيون اللصوص ومن في نفوسهم غرض النهب والسلب، ونقول يحفظ الله أسرنا المسافرة ويدفع عنها شر الأشرار ويمنع عنها كيد الكائدين ويعيدها إلى الوطن سالمة فرحة محملة بمشاعر البهجة والسرور.. نقول يحفظكم الله وأنتم تغادرون الوطن لأن في السفر فوائد وكذلك له نواكد وعليكم أن تأخذوا تحذيرات وإرشادات سفاراتنا في الخارج بعين الاعتبار.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء