لا نقدر أن نشكر هيئة الهلال الأحمر في الإمارات، لأن الشكر لها قليل، والثناء عليها لا يوفيها حقها كاملاً، لكن من الأشياء الكثيرة التي تصنعها هنا وهناك، في داخل الدولة وخارجها، لا تفرق بين الناس، ولا بين جنسياتهم أو دياناتهم، فالخير للإنسان في العموم، ما قامت به مؤخراً، من انتباه، وحسن رعاية، وإسداء معروف وإحسان بحق مائة عامل انقطعت بهم السبل هنا، لا رواتب منذ 6 أشهر، ولا رعاية، ولا طبابة، ولا غذاء قادرين أن يحصلوا عليه، ولا حتى اتصال يطمئنهم على أهلهم وأولادهم، هكذا هم في العراء، وعلى الطوى، وفي الخواء، فالعامل باليد، وبشقاء اليوم، وبرزق يحسبه بالساعة، وبمال ينقص منه للأهل، ومنه للنفس، لا يمكن أن يصفّد الدرهم والدينار، ليوم غادر، ماكر، هي حالة إنسانية لها أبعادها، ولها تداعياتها، ولها نتائجها الغاضبة، وجرائمها المتوقعة، بعد أن تركتهم شركتهم للظروف، متحملين نتائج تعثرها، ونتائج عدم التزامها، ونتائج عدم المتابعة والمراقبة من قبل الجهات المسؤولة عليها، وعلى غيرها. بادرت هيئة الهلال الأحمر، فاتحة أملاً قليلاً، وجديداً، أقله ما قامت به من دفع لكل عامل ألف درهم لتسيير الحال، وتقديم الغذاء، وتأمينه لهم لأسابيع، وبعض الكساء، وتأمين الرعاية الصحية والفحوصات لأمراض لا بد أنها هاجمتهم في أشهر التعب، وأشهر الانتظار، وأشهر الفاقة، وأشهر الجوع، وأمنت لهم اتصالات مجانية بذويهم سكان البعيد. هذا التصرف الإنساني غير بعيد عن الإمارات وأهلها، وغير بعيد عن هيئة لها فعلها الخيّر والدائم في شتى بقاع الدنيا، لكن السؤال لو لم تتحرك هذه الهيئة بالسعي نحو الخير والمعروف، ولو لم تدفع بالحسنى، وما يجود به أهل الشهامة والمروءة، من سيتحرك؟ الشركة وأصحابها عاطلون، ومعطلون، وفي وقت الغرقة اللهم نفسي، وهؤلاء العمال، بشر بسطاء، يقصون من لحمهم وعظمهم، ليطعموا أطفالاً ونساء وكهولاً، ربما هم عظم بلا لحم، كيف يمكن لعامل منهم، هو والعناء سواء، هو والشقاء سواء، أن يصمد 6 أشهر، فيها 183 ليلة تأتي، ولا تأتي أحلام المنام، فهو في النهار كمن بترت يداه، وفي الليل جوع وهمّ، ودين في رقبته نحو أسرته ومن يعول! هناك سؤال آخر، ولا أعرف لمن أوجهه، لأننا بين المحلي والاتحادي أحياناً نكون ضائعين أو مترددين، أليس هناك نوع من الضمان بحده الأدنى، لو ما تعثرت شركة أو أفلست أو هرب مديرها بعد أن سرق ونهب أو لسبب ما تعطلت المشاريع التي في يدها، بسبب الأزمة المالية مثلاً، عدم إيفاء الحكومة بالسداد للمقاول، وتأخير الدفعات مثلاً، صاحب الشركة غيّر رأيه، وبدّل مهنته من مقاول بناء إلى أعمال الدفن والحفار، أو أنه غامر وقامر في الأسهم، وخسر الأولي والتالي، لأي من هذه الأسباب المتشابهة والمماثلة وغيرها، أليس هناك ما يلزم الشركات الكبيرة بالذات، والتي تكفل بشراً بالمئات والألوف، أن تضع مالاً احتياطياً، غير قابل للسحب إلا بعد انتهاء فترة المشروع، أو بقرار استثنائي في حالة عدم الالتزام أو التعثر لدفع مستحقات العمال، ومصاريف البشر، واحتياجاتهم الضرورية واليومية، هذه «الوديعة» ترد بفوائدها للشركة إن أنجزت العمل، وسلمت المشروع، وعليها حبة سكر، وإن حدث ما لا تحمد عقباه، كان أقل ضمان لهؤلاء الكسيبة اليوميين، في تسيير أمورهم الملحّة، هذه «الوديعة» هي مجموعة نسب من راتب العامل الأساسي، كبدل الطرد التعسفي، وبدل إنذار، ورواتب شهرين انتظاراً للفرج إن جاء، وتذكرة طائرة ذاهبة دون رجعة؟!