صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

اللغة والهوية

عقب أحد الإخوة القراء على ما جاء في زاوية الأمس، حول عدم دقة الترجمة والالتزام بالنص، والذي يمارسه على نطاق واسع مترجمو الأفلام التي تعرض في دور السينما عندنا. رسالة الرجل تشير إلى جانب آخر لا يختلف عن الأول، ويتعلق بقيام محطات تلفزيونية محلية ببث برامج علمية ووثائقية مدبلجة بلهجات عامية. في قضية تعود بنا إلى المربع الأول من الحديث عن قضية اللغة والهوية، والتي تكتسب خصوصية وأهمية خاصة في مجتمعنا. ومهما حاول البعض التقليل من شأن الأمر، وهو يرده إلى الطابع المتعدد الأعراق والثقافات في مجتمع الإمارات، إلا أن ذلك لا يعني تجاوز الهوية الوطنية للإمارات وأبنائها، وفي مقدمة ترسيخ وتأكيد تلك الهوية الحرص على اللغة. خاصة أن هناك الكثير من المحطات التلفزيونية عندنا محلية اسماً، وما يبث فيها لا علاقة له بالإمارات، بدءاً من الوجوه التي تقدم البرامج فيها، أو حتى محتوى المادة المقدمة عن طريقها. وقد نتفهم حوارا بلهجة عامية عربية في برامج للمنوعات أو حلقات ترفيهية، ولكن أن تمتد الظاهرة إلى البرامج العلمية والوثائقية، فالأمر يعكس مدى استخفافنا باللغة وما تمثل، والدرك الذي وصل إليه إهمال هذا الجانب المهم للغاية لشخصية الإنسان. وكما قلت فإن الأمر يكتسب خصوصية وأهمية بالغتين في مجتمعنا، حيث يحاصر أفراده وبالذات الصبية الصغار سيل من اللغات واللهجات أوصلهم إلى حالة اغتراب وغربة حقيقية، وهو مشدود في الوقت ذاته إلى الأرض التي ينتمي إليها، ويرتبط بها. وجراء هذا الاغتراب اصبحنا اليوم نلمس مقدار الكلمات الدخيلة التي تسللت إلى ألسن أطفالنا وصغارنا من جراء هذا التداخل. خاصة مع تراجع تدريس اللغة العربية في المدارس لصالح اللغة الانجليزية، وغيرها من لغات التواصل في عالم المال والأعمال وفي الأسواق. ذات مرة جمعني مجلس خاص مع أحد الشعراء ممن لهم شأن وباع في الشعر النبطي وتاريخ القبائل والأنساب، وتطرق الحديث إلى هذه المخاطر التي تتهدد اللهجة المحلية، عندما انبرى آخر مرحباً بهذا «الاختراق» للكلمات الوافدة الجديدة، واعتبرها دليل صحة وعافية وحيوية، خاصة أنها بدأت تطرد من اللهجة، كلمات وفدت هي الأخرى من لغات كالاوردو والفارسية وغيرها بحكم الاحتكاك الذي كان سائدا. ربما كانت تلك وجهة نظر قابلة للتدارس من جانب الباحثين في شؤون وأمور اللغات واللهجات، ولكن ذلك لا يمنع دعوة محطاتنا التلفزيونية والفضائية إلى الاهتمام بهذا المحور، ونعني اللغة، اهتماما خاصا للغاية، باعتباره من مظاهر تعزيز وتكريس الهوية الوطنية. ومن جديد نقول إن الأمر لا علاقة له بالتعصب أو الانغلاق، قدر ما يحمل حرصاً على حق طبيعي ومشروع في إبراز أمر يتعلق بالهوية الوطنية، وشخصية الأرض والوطن الذي تبث منه هذه المحطات والفضائيات الإماراتية، وهي مملوكة للدولة، التي أعادت الاعتبار للغة العربية بقرار مجلس الوزراء العام الماضي. ويتابع هذه الفضائيات الصغير قبل الكبير في مختلف مناطق عالمنا الذي تحول إلى قرية صغيرة يجمعها فضاء كبير مفتوح.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء