مع بداية القرن الحادي والعشرين، وبالضبط مع نهاية حقبة ماو تسي تونج وشون لاي، ومع دخول هذا البلد الحافل بالتعداد السكاني، والمساحة الجغرافية الهائلة، والقدرات البشرية، والتاريخية، والثقافية، والحضارية عصر الانفتاح.. بعض الانفتاح الاقتصادي، وشيء من الانفتاح الأيديولوجي، وأشياء في السياسة.. أصبح أمام الصين مسؤوليات جسام في التغيير مع بقاء التأطير الأيديولوجي، صار أمامها بحر هائج مائج من مطالب خارجية، ومظالم داخلية، وكان على الصين بحكمة كونفشيوس، أن تزن بقسطاس أمين، رزين، لا يخل بثوابتها ولا يزل عن رغبة العالم لتكون دولة عالمية علمانية شبه ليبرالية. وكان القادة الصينيون بقلوب خافقة، قلقة محدقة عين في الداخل وأخرى في الخارج، ومنذ أحداث تيان آن مين، وهم يمسكون بالصندوق الأسود خشية من اكتشاف سر التعويذة الشيوعية، وتبذيرها، وتبديدها ولم يغب عن أعينهم ما جد واستجد، في جارتهم الكبرى روسيا التي قلب الطوفان شراعها، وانفك عقد الاتحاد السوفييتي، لتتحول إلى دولة محاطة بدول طحنتها الأيديولوجيا والسياسة ولم تبق سوى رائحة تاريخ كان وكان في أيام زمان.. الصين اليوم تلهث متعبة من وخز الإبر الإيجورية، ومن الأجراس التي تدق خارجياً، ولشد ما أفزع الرئيس الصيني الذي خلف وراءه قمة الثماني في إيطاليا وهرول راجعاً إلى بلاده بعد أن أذهله لون الدم، القاني السابح على أسفلت الغضب .. الايجوريون المسلمون لسان حالهم يقول ابتدأ المشوار، وقادة الصين يحاولون إحكام القبضة كي لا ينفلت الزمام، وينتشر الغمام، وتختلط رغبات العوام بالهوام، وتضيع الحسابات في حدقة الدماء الساخنة والظروف السياسية العالمية الراهنة، ويصبح النواح على الجراح والذي راح قد فات أوانه. على الفور ارتفعت التصريحات الصينية عن أن للتأثير الخارجي دوراً مهماً في تحريك القطار الايجوري باتجاه الرغبة في الاستقلال، أو على الأقل تحقيق المطالب في أدنى حدودها. قد يكسر العنف شوكة العنف لفترة وجيزة، وقد تختزن الاحتقانات لمدد قد تطول أو تقصر لكنها لن تـمحي من الوجود رغبة الناس في أن يصرخوا من الألم.. وبخاصة أن مفاتيح الصراخ لها أقفال، ومزاليج حديثة رياحها قد تهب من هنا أو هناك، ولا تستطيع الهراوات أن تكبت صوتاً أو تخمد حجراً، أو تقعد متحركاً يتداول دورته الدموية في الداخل.. ولكن ما كان يحزن أن يرى الإنسان مطالب الحرية تتحول إلى إحراق الإطارات في الشوارع، أو محاولة هدم ما بذل من أجله الجهد ليبقى شاهداً على حضارة بلد. الصين بدورها تحاول جاهدة ألا تكرر أحداث تيان آن مين، وما لحقها من تشوهات واعتبارات سياسية أساءت إلى ساسة الصين، كون الهراوات كانت قاسية، والدماء التي أريقت كانت قانية، لذلك يحاول الساسة أن يكفكفوا دموع المحتجين بشيء من الدروشة الأيديولوجية وشيء من المزاج السياسي الرائق الحاذق، والحارق أحياناً لتمر الأمور على خير وينتهي الاحتفال الحزين إلى ميلاد علاقة بين الشرائح المختلفة، يُسكنها «بنادول» الإغراءات والإغواءات، وفي بعض الشيء العيون الحمراء، ولو كانت ضيقة. الصينيون الذين خرجوا للعالم ببلدهم من دولة نامية تحكم مئات الملايين من البشر إلى دولة طاغية اقتصادياً متحدرة في شريان العالم من أقصاه إلى أقصاه قادرة على تسكين الألم بإبر صينية بارعة في تحديد مواطن الألم، وكف عذاباته.. ويبقى شأن الإيجوريين، جرحاً مفتوحاً في انتظار التضميد، والحل. علي أبوالريش