تظل تجربة الموشحات علامة مضيئة في الشعرية العربية، مارس فيها المبدعون حريتهم في ترويض الأطر الموسيقية لتذويب الفوارق بين البحور العروضية من ناحية، وقدرتهم على ابتكار شكل مرن ومحدد للقصائد في حركاتها وأطوالها من ناحية أخرى.. فنحن نرى مثلاً أن الموشح الثاني لابن خاتمة الأنصاري يمكن أن يتراوح في وزنه بين المقتضب المشطور، كما يمكن أن يتكيف مع تفعيلات الرجز أو السريع، وهو بذلك يخترق دائرة الشكل الثابت للإيقاع ويقترح نموذجاً جديداً في الآن ذاته، حيث يقول في المطلع: ما أحلاك/ يا قمر الأحلاك كم أهواك/ وفي الحشا مقواك ولا تدري فانظر إلى التوزيع الجديد للأشطر غير المتساوية فيما أطلق عليه نقاد شعر التفعيلة عند ترويجهم لها في خمسينات القرن الماضي «الدفقة الشعورية»، فكل جملة تقوم بذاتها دلالياً وإيقاعياً ببساطة وعذوبة، حتى يأتي الذيل «ولا تدري» ليكمل فجوة الدلالة ويغلق بنية المطلع بحافة مدهشة مرتفعة ليتابع الشاعر: الحسن/ يحلو في خدك والغصن/ يغار من قدك والذهن/ وقف على ودك من حلاك/ بالحسن ما أحلاك لا أنساك/ يا فتنة النسّاك إلى الحشر كان شيخي في النقد الدكتور محمد مندور يصف الشعر بأنه رقص في القيود، وقد عينت في تعليقي على الموشحات السابقة بأن ألفت انتباه القراء إلى هذا الفائض من التوازي الإيقاعي والتنفيذ الموسيقي بين جميع الجمل الشعرية، وهذا إغراق في التزام القيود، لكنه عندما يمارسه الشاعر باقتدار تعبيري يخرج فيه من دائرة الضرورية إلى فضاء الحرية، فتصبح كل كلمة مطلوبة لذاتها في سياقها دون غيرها يتجلى حينئذ مظهر الإبداع في أبهى صوره، فعلى الرغم من شبهة التعسف ينجح الشاعر في توظيف التماثلات لتكثيف الدلالة، بينما تقوم الإشارات بضبط العلاقات الرابطة بين الأجزاء بشكل تلقائي محكم يخلو من التعنت، مما يجعل التكوين الشعري محتفظاً بجمالياته الفاتنة. هل سلوان/ لعاشق هيمان عن عدوان/ ذا الفاتر الأجفان يا فتان/ أسرفت في الهجران قد جراك/ ظلماً على مُغراك من أفتاك/ بالصد يا فتاك وبالهجر إذا كان الشعر تعبيراً فنياً عن تجارب شعورية وحيوية في المقام الأول فإنه يستحيل هنا إلى ممارسة ماهرة لتجربة لغوية ترتكز على المخزون في الذاكرة الجماعية من حالات العشق والهجران.. ويخيب ظننا كثيراً إن توقعنا من هذا اللون الغنائي الجماعي أن يخترق أسرار العواطف أو يبتكر اكتشافات وجدانية، لكنه يؤدي وظيفته بطريقة رائقة عندما يكتفي بصياغات رشيقة موقعة لما هو مألوف من شكاوى العشاق من جور الألحاظ الغائرة عليهم، وقسوتهم على المغرمين بهم واستحلالهم للصد والهجران، وهو يؤدي ذلك على تمامه محافظاً على أطره الموسيقية المعجبة.