تجولت صباح الأمس في المنطقة التاريخية التي صارت تعرف اليوم بحي الفهيدي (عرفت لسنوات سابقة باسم حي البستكية)، ركنت سيارتي جانباً وعبرت أزقة ضيقة وطويلة ومرصوفة بالحجارة، اللوحات القديمة للحي بمسماه القديم يتم استبدالها لتحل محلها لوحات جديدة بالاسم الذي تم اعتماده رسمياً من قبل حكومة دبي (حي الفهيدي)، وعلى مرمى حجر من الحي يلوح حصن الفهيدي شامخاً، كما كان دائماً منذ شيد عام 1778، وحتى بعد أن تحول إلى «متحف دبي» وافتتح رسمياً العام 1971، وعلى مشارف الحصن يقع ديوان الحاكم ومكاتب الحكومة، والمشهد كله يؤدي كل صباح تحية محبة خالدة لذلك الشريان المائي العريق الذي لطالما ضخ الحياة واللون والحركة في مفاصل المدينة، الخور العريق الذي تدين له دبي بألقها ونبض الحياة في عروقها.
يقول القائمون على إدارة المنطقة التاريخية وهم بالمناسبة شباب إماراتيون يمتلكون العلم والمعرفة ودفق الشباب، إلا أن ما يميزهم أكثر من ذلك هو هذا الانتماء والحرص والمحبة لتفاصيل مدينتهم، الحرص الذي يدفعهم في كل حركتهم لالتقاط الحقائق وتصحيح الأخطاء وإزالة الغبار العالق بكثير من روايات التاريخ وحكايات المناطق والأحياء، وفي الحقيقة فإن طمس الحقيقة التاريخية أو الاختلاف حولها أمر وارد ومنتشر في كل الدنيا حينما يتعلق الأمر بالتاريخ وحقائقه ومروياته ورواياته ورموزه، فكثير من هذه الأمور قد طمس أو ضاع أو سرق أو توزع في أصقاع الدنيا بسبب سراق أو تجار الآثار والتاريخ!!
لهذه الأسباب اشتغل العالم والعلماء بجدية وصرامة من أجل تأصيل علم التأريخ، كما احتفوا ورفعوا مكانة المنقبين وعلم التنقيب والآثار، وصارت الأمم تحفر أعماق أراضيها وتقلب صخورها صخرة صخرة والبيوت المتداعية والأطلال المهجورة جداراً جداراً وباباً باباً باحثة بينها وتحتها عن الحقيقة لتستجليها وتقدمها للعالم والأجيال الناشئة، إيماناً بمقولة إن من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له، وأن اليوم هو مستقبل الأمس والغد هو الموعد الطبيعي الذي يجني فيه الإنسان ثمار غرس اليوم!
إن التدقيق والتمحيص والمرجعية لكل ما يخص شؤون التراث والتاريخ والذاكرة الجمعية المتناثرة هنا وهناك، ضرورة ماسة بالنسبة لنا نحن أبناء الإمارات، وتحديداً ما يتعلق بحقائق النشأة الأولى والتكوين وبدايات الاستقرار والبناء، وتلك الأسئلة القاطعة التي بدأت الأجيال الجديدة من أبنائنا يطرحونها علينا من قبيل: من استقر هنا أولاً؟ ومن بنى تلك الأحياء القديمة؟ ومن شيد ذلك العمران؟ ومتى؟ ولمن تعود ملكية تلك الأمكنة؟ وغير ذلك، تلك ليست أسئلة بسيطة أبداً، إنها قضايا وجودية ليس من السهل المرور عليها مرور الكرام، كما أنه لم يعد مسموحاً بعد الآن العبث بها أو التعامل معها باعتباره وجهة نظر شخص ما أيّاً كان ذلك الشخص!
حي الفهيدي العريق والذي أحسنت بلدية دبي صنعاً بترميمه بناء على توجيهات مباشرة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي، يحتاج اليوم إلى جهد كبير في توثيق سيرته كمكان وكواقع سوسيولجي وتاريخي وسكاني وعمراني يعبر عن حقبة تاريخية من حياة أبناء دبي والإمارات، وهو يحتاج إلى جهد أكبر للاشتغال على كل وثيقة وورقة وخريطة وصورة تخصه كما يحتاج لشهادات أبناء دبي من الرجال والنساء الذين لا زالوا يحفظون تاريخ مدينتهم في قلوبهم ليقولوا لنا كل شيء عن هذا التاريخ وبدقة تامة!


ayya-222@hotmail.com