صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

كلمات من عتب وذهب!

هناك أشياء صغيرة·· غير أنها ثقيلة، ثقيلة على الكاهل، ثقيلة في الميزان، وعظيمة إن قدر أن يفعلها الإنسان: - كم تساوي الكلمة الطيبة، ثمنها قليل، لكن فعلها كبير، بعض الناس حتى بهذه الكلمة الصغيرة والتي لا تكلفهم فلساً أحمر، يبخلون بها، لكنهم في حقيقة الأمر، هم يبخلون على أنفسهم، لأنهم إن فعلوها سيشاهدون أثرها الطيب في عيون وقلوب الآخرين· - مرة جاء رجل إلى الرسول الكريم وقال له: أوصني، فلخص له النبي (صلى الله عليه وسلم) محتوى رسالته إلى البشر في كلمة واحدة، جامعة، مانعة، فقال للأعرابي: لا تكذب، فاستسهلها الأعرابي وانصرف، وهو لا يعرف كم كانت تلك الكلمة ثقيلة، وستثقل كاهله طوال حياته، وكم سيكلفه حملها، فقال النبي الكريم: لقد أفلح إن صدق· - ومرة جاءني صديق يشكو من كثرة القيل والقال وحكي النسوان في دائرة عمله، المختلطة بالأجناس والجنسيات والتي يشرف عليهم، فقلت له: جرب الحكمة الهندية والصينية القديمة، فربما تنفع في هذا العصر الخرب، وربما تجدي في مجتمعنا العاطل والمقنع والجاهل بجوهر العمل وقيمته، فقال: حكمة قديمة لعصر جديد، فقلت له: جرب، ولن تخسر، حاول أن تبث في وسطهم أن من يكثر القيل والقال، تصبح رائحته كريهة، منفرة، لا يطيقها جليسه ولا الناس الذين حوله، وبعد وقت ليس بالطويل تلاقيـنا، وسألته عن الحكمة الهندية والصينية القديمة وما فعلت، قال: هل تدري أن رائحة الدائرة أصبحت زكية وطيبة، وحتى أشجار الزينة الداخلية أصبحت أكثر خضرة وأكثر جمالاً، فقلت له: أشكرني لأن النصيحة كانت مني، وإنما غلفتها بورق صيني وهندي لأضفي عليها بعضاً من القِدم، وبعضاً من الفلسفة، ليتقبلها الناس، وليوثقوا بها، لأن ناصح البدو في النار، وزمّار الحي لا يطرب· - مرة أوصى أب أولاده حينما كان يحتضر، فقال للأول: كن شجاعاً وتذكر الشجاعة في وقتها، وقال للثاني: كن مع الحق وتذكر أين يكمن الحق، وقال للأصغر: كن وفياً وتذكر الوفاء في كل وقت· تفرق الأخوة، وفتحت عليهم الدنيا بما اتسعت، الأول حوّله المال إلى جبان، فغلب المال الشجاعة، والثاني ظل يتصارع مع الحق حتى غدت الأمور متشابهة في داخله، أما الأصغر فظل يبحث عن الوفاء حتى أصيب بالعمى والوفاء أمامه ولا يبعد عن باب جاره، فلا الأول صاحب الشجاعة أعان الثاني صاحب الحق، ولا صاحب الحق وقف مع صاحب الوفاء، ولا الأصغر كان وفياً لأخويه· - العرب قديماً كانت تقول: أرسل حكيماً ولا توصه، وإن جاءكم المداحون فأحثوا في وجوههم التراب، وأعينوا صاحب الحق على الحق، وصديقك من أصدقك، لا من صدّقك، ولا تصاحب أحمق ولا جاهلاً ولا صاحب منفعة، فالأول سيحرق ثوبك، والثاني سيزيد من اشتعاله، والثالث سيتركك هارباً من النار طالباً النجاة بالنفس·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء