صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تسويق القضية !

قبل أيام شاهدت فيلماً كان يعرض في دور السينما المحلية، وقبل الخوض في مضامينه ومحتواه، أستغرب طريقة تعامل المترجم مع الشريط الذي أؤتمن عليه، ومارس الرقابة عليه بطريقته الخاصة، وكأنما لا أحد يعلم أو يعرف الإنجليزية بمقدار ما أصاب «الحبيب» من لغة بلاد شكسبير. مما شوه متابعة الفيلم على الآخرين. كنت أعتقد أن الفيلم يروي قصة عاطفية جمعت صبياً لم يتعد السادسة عشرة، وامرأة تكبره بأكثر من ضعف عمره، فإذا بنا نجد أنفسنا في قلب محاكمة لنسوة كن حارسات يعملن لحساب الشرطة السرية النازية، وتسببن في موت عشرات السجينات حرقاً داخل كنيسة لجأن إليها خلال غارة جوية للحلفاء. وتغادر قاعة العرض والتساؤلات تلاحقك حول قدرة هؤلاء الأقوام على تسويق قضيتهم، ومحاولة إقناع العالم بالوقوف معهم، وابتزازه عما تعرضوا له على يد هتلر قبل نحو سبعين عاماً. وقبل أيام كنت ايضاً في مؤتمر للأديان عقد في العاصمة الكازاخية استانا، وأذا بكبير حاخامات اليهود الاشكناز في إسرائيل، يحرف الحقائق ويقلب الوقائع، ويصور المسلمين ودينهم بأنهم يقولون ما لا يفعلون، بدليل وكما قال بكل وقاحة «أن جيراننا، اختطفوا شاباً، ومنذ أربعة أعوام وأمه المفجوعة لا تعلم عنه شيئاً». وقبله تحدث رئيسه وقال ما قال، ولم يرد عليه أحد، الا حركة صبيانية تمثيلية من الوفد الإيراني الذي غادر القاعة، رغم أن ممارسات نظام بلاده لا تختلف كثيراً عما تقوم به تل أبيب، فكلاهما مغتصبان للأرض، ومحتلان ويتدخلان في الشؤون الداخلية للآخرين. نعود للقوم الذين نجحوا في ابتزاز العالم، وغسلوا دماغه بصورة جعلت أحداثاً وقعت منذ عقود حية لا تمحى، بينما جرائم أحفادهم ماثلة أمامنا ُيغض الطرف عنها. بل أنهم نجحوا في استصدار قرار دولي من الأمم المتحدة يجرم أي شخص أو جهة أو دولة ينكر أو حتى يشكك في «الهولوكست». وذات مرة كنت برفقة أستاذ جامعي أميركي، قرب «متحف» المحرقة «في العاصمة واشنطن، الذي يعد من أكبر متاحفها غير بعيد من «البنتاجون». وسألته عن سر وجود متحف في بلاده عن حدث جرى على بعد آلاف الأميال منها، ولم أتلق جواباً شافياً مقنعاً، سوى دلالته بأنه يمثل التزاماً ثابتاً للولايات المتحدة بألا تتكرر مثل هذه «الإبادة» وبأمن إسرائيل. وجاء إرهاب 11سبتمبر2001، ليجعل منا مادة خصبة للمتطرفين من المعسكر الآخر، ويضعنا في موضع اتهام، بسبب ما ارتكبت وترتكب تلك الفئة التي تقتل وتسفك دماء الأبرياء باسم دين الحق الذي يعتبر من قتل نفس حرم الله قتلها، كمن قتل الناس جميعاً. ذات مرة وصف صديق فنلندي العرب وقضيتهم، بأنهم كما صاحب مصنع ينتج بضاعة جيدة، ينقصه التسويق الجيد والسليم. ومما يفسد أي جهد علمي وحقيقي للتسويق للقضية -بحسب الرجل- هذا الانقسام الكبير في المواقف والرؤى والتباين الذي يصل للاحتكام الى السلاح بين أصحاب القضية الواحدة، الذين تفرقت أياديهم الى فرق ونحل وشيع. وأخيراً نقول للجهات المراقبة والموزعة للأفلام عندنا، إن عقلية التعامل بالمقص مع ما يقدم لنا يفترض أن يدرك أصحابها أننا في القرن الـ 21، وعليهم احترام عقولنا، ونقول لهم كفى استخفافاً بنا!!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء