صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في معضلة مروة الشربيني

منذ زمن الانفجار الكوني ودخول الثقافات الإنسانية في معترك إثبات الوجود، والعرب والمسلمون منشقون على أنفسهم، منقلبون على واقعهم، مكتسحون ثوابتهم، غائصون في أتون السؤال والإجابة المبهمة، الملغمة، المفعمة بالشك والريبة. بعض العرب المسلمين ساروا بالسفينة باتجاه التجديف والتحريف والتخريف والتجريف، وسعوا عن وعي أو غير وعي في وضع الصور الإسلامية شائهة، تائهة، مائجة، هائجة بمشاعر إغوائية غوغائية أطاحت بالصورة المثلى للإسلام وثوابته القديمة. وبعض العرب وجراء هذا الفعل الشنيع المريع والمفزع والمجزع، لم يطرأ على بالهم سوى البحث عن صكوك الغفران وشهادة حسن السيرة والسلوك من آخر التصقت الصورة في ذهنه ورسمت نقوشاً شوهاء عجفاء عن العرب والمسلمين بفضل من أسسوا مشهداً إسلامياً عن طرائق قددا وقبائل وفصائل منفصلة مضمحلة شاحبة صاخبة كابحة لكل ما يفيد في التقدم والتطور الإنساني، الأمر الذي أوقعنا جميعاً في فخ السؤال: أين نحن من خريطة العالم الثقافية؟ وتأتي الإجابة من «الأقربين» إننا عرب مسلمون بثقافة لا تنتمي إلى واقع إنساني، بل هي إيحاءات سماوية فوق الأرض وتحت السماء وما بين البين عواء في خواء، وترتد الإجابة من الأبعدين أننا أمة عدوانية، الدم ماؤها والقتل سبيلها. وانهال التطرف من بيننا وانثال من حولنا، وصارت أوطاننا ضحية من كرهوا ما اعتقدنا وكرهوا الدنيا فينا، صارت أوطاننا فريسة من افترسوا الدين، وسوقوا لأوهام لم تستقر إلا في أذهانهم، وصارت أوطاننا ساحة وغى لطرف نزاع جاهل للدين وحاقد عليه، والدين براء من هذا وذاك، الدين عقيدة للإنسان وهادٍ للعالم أجمعين. والحق يجب أن يقال، فما كان للمشرقين أن يشرقوا ولا المغربين أن يغربوا بالدين لولا تقاعس المؤسسات الدينية ذات الشأن عن أداء دورها وابتعادها عن الحدث وتركها تمضي على علاتها، ما كان للجاهلين أن يجهلوا ولا الحاقدين أن يحقدوا لولا تواري تلك المؤسسات خلف أستار التفرج والانتظار إلى أجل مسمى لما تسفر عنه هذه الحبال المتشابكة من أهواء هنا وأدواء هناك. وقضية مروة الشربيني لم تأت من فراغ، وليس الجاني فرداً ولا طرفاً، بل إن الأطراف جلها تعاونت وشحنت وخزنت وملأت الوعاء الإنساني بثقافة التعاظم النرجسي والانتفاخ الذاتي، والتورم العقائدي الشائه مما حقن وسمن الجسد البشري بأورام وأوهام وألغام وأسقام أطاحت بكل ما هو جميل في تلك الشرائع الإنسانية، ولم يدافع إلا عن حق التعصب والانهيارات الذاتية الداخلية. عالم اليوم بحاجة إلى عصبة أممية تحمي الأديان من الدخلاء والأدعياء والنجلاء في اندماجهم مع الآخر، عالم اليوم بحاجة إلى عهد ووعد ومهد لصيانة الروح البشرية من الخراب والحراب والسراب والاضطراب وانسياب القيم في سفوح التشرذم والتشرد والاندحار والانتحار. عالم اليوم بحاجة إلى مؤسسين حقيقيين يأخذون على عاتقهم صيانة الدستور البشري من كل غث ورث، ورفع شأنه ورفع شجنه باتجاه التسامي وملء الذاكرة الإنسانية بما تحتويه الديانات أجمع من قيم وشيم، لا يخضها خضيض ولا يرضها رضيض. العالم بحاجة إلى مؤسسات دينية تعلي الروح الإنسانية عن الأهواء والأفواء والأرزاء واكتواء الذات بأنانية من في نفسه غرض ومرض.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء