في عز تلك الأيام الجميلة والخوالي، وفي نصف الثمانين قررت الذهاب من فيينا إلى بودابست، وكانت رحلة جميلة بكل المقاييس بدءاً من المناظر الخلابة التي تلتصق بنافذة الحافلة طوال الطريق الذي يتبع نهر الدانوب الأزرق، والذي خلده الموسيقار «يوهان شتراوس» في واحدة من روائعه الموسيقية، وحتى الدخول إلى هنغاريا أو المجر كما كانت تسمى سابقاً، وعلى الرغم من أن هنغاريا كانت في تلك الأيام ضمن منظومة المعسكر الشرقي أو الكتلة الشرقية لأوروبا، إلا أنها كانت أقرب ما تكون إلى أوروبا الغربية، بحكم التجاور مع النمسا، وصلاتها مع ألمانيا، مع فارق كبير في العملة، ومستوى أقل بكثير في الخدمة. وصلنا بودابست أنا وصديقي وصرفنا 300 دولار، وهو الحد المسموح لنا بصرفه عند الحدود، وبقينا ثلاثة أيام نحاول أن نصرف ذلك المبلغ البسيط، لكنه لم يخلص أبداً حتى أنه اضطررنا مرة أن نفطر على سمك، ونتغدى على سمك، واشترينا أشياء تذكارية، وقمنا برحلات داخلية، وأن الـ 300 دولار تخلص.. أبداً! تعجبنا من أمر الدولار، وما يفعل من صنيع في مثل هذه البلدان، وإن مسك مواطن منهم، وفي يده تلك العملة الخضراء، الصعبة، فالتهمة واضحة، وجاهزة، الاتجار في السوق السوداء، ومعناه اللعب مع الحكومة، أو التخابر مع جهة أجنبية، وكلاهما يضر بالوطن، والعقوبة إما سجن مؤبد وأشغال شاقة لا تنتهي أو حز الرقبة! وحين ذهبنا للتسوق في المجمعات التجارية الحكومية، والتي ما زال فيها المحاسب يحسب بطريقة بدائية على آلة من الخرز أو الخشب، مثلما يفعل أي مخزنجي، موكلة له مهمة التصرف بالغلال، وجدنا أن بدلة الرجل لا تزيد عن 20 دولاراً، أو بطريقة المحاسبة العجوز ثلاث ضربات من الخرز الفوقية، ناقص واحدة من السفلية، وتقول لك رقماً لا تعرفه هو لصالحك بالتأكيد، ومن دون مناقشة، ولا يريد مفاصلة، فهو أقرب للـ«بلاش» حينها عرفنا السبب، وأيقنا أننا رابحان في هذه الرحلة التي هي من العمر. فقط ما كان يحزنني في مثل تلك المدينة، أنه إذا ما خيَّم الليل، تدثرت المدينة في ألحفتها ونامت مبكراً، ليبقى طائر الليل وحيداً، ضجراً، يتململ في فراشه في الفندق البارد، ثم هناك سحابة من الكآبة لا يمكن أن تفوت عن ناظريك للموظفين المتعبين، وهم عائدون في الحافلات العامة من أمكنتهم من دون جدوى، ومن دون أي بريق في العين يوحي بحلم جميل في الغد، لا شيء غير رائحة ملابس العمل المضني، وزجاجة من شراب محلي قد تؤنس الليل، وقد تطوف به نحو ملذات، غير الخبز كفاف اليوم، وغير البطاطا التي تزرعها تعاونيات ينخرها فساد المدير العام ومعاونته، والرجل عين الحزب! بالمقارنة بين بودابست مع مدينة تشبهها في المبيت مبكراً، والاستيقاظ مبكراً، في أقصى الشمال في الدول الاسكندنافية، هي أوسلو، والتي لا تشبهها في رخص الأشياء، بحيث لا تبقي لك أوسلو دولاراً لتصرفه من شدة الغلاء الذي فيها، وتجبرك أن تلتزم بطابعها، وتتقيد بوقتها، وترضف على ظهرك الأسمال الثقال، وإن قدرت ألا تخرج يديك وأذنيك من شدة البرد والصقيع فافعل، ولا تتردد! بودابست تجذبني كمدينة تاريخية، وهي اتحاد مدينتين بودا وبست، والذي يعود إلى عام 1873، بودا تقع على «الضفة الشرقية» من نهر الدانوب، وبست تقع على «الضفة الغربية»، تربطهما جسور ثلاثة، هي جسر «إليزابيث» و»الحرية» و«تشين بريدج». بودابست اليوم.. وبعد تلك السنوات الطوال تغيرت كثيراً، وأصبحت من أغلى المدن الأوروبية، في حين بقيت أوسلو في طابعها القديم، وفي غلائها القديم، لم تتبدل كثيراً، وهذا هو شأن البلدان المستقرة سياسياً واجتماعياً والتي فرغت من كل شيء، وتفرغت لحالها، بحيث لا يعني التغيير والتبديل لها إلا نحو الأمام، والأفضل لسكانها، ولو جاء بعده مدة طويلة من الزمن.