صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

هل تغيرت أوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية أو انتهاء حقبة الحزب الحاكم الواحد، أو تفكك الاتحاد السوفيتي الذي كان يقود بلدان هذه الكتلة فكرياً، ومنهجياً، وله موطئ قدم لحذاء جنديه في الجيش الأحمر في كل مكان؟ بالمقارنة اليوم، هناك تغييرات في كل شيء، بما فيها الإنسان وأخلاقياته، لأن بعض القيم تغيرت، ودخلت مفاهيم وسلوكيات جديدة، وعرف مواطن أوروبا الشرقية معنى آخر للحياة، وألواناً زاهية فيها، بعد أن أدخله الاتحاد الأوروبي ضمن جناحه، فارضاً عليه التأهيل أولاً، والتعلم من جديد، ونبذ الفكر القديم، فعرف لأول مره هذا المواطن الأوروبي الجديد معنى الاستهلاك، والرفاهية، ومستلزمات وضروريات الإنسان المعاصر، قد يكون أدخل في نفق لن يقدر على أن يخرج منه، كما يقول الحرس القديم من الشيوعيين، الذين ما زالوا يحنّون إلى ماضٍ تليد، وإلى قيم من الأخلاق والإخلاص والإنسانية، وقد يكون هذا المواطن قد ربح نفسه، وحريته، وعرف خط قدره دون تدخل من القيادة المركزية للحزب!. أتذكر.. أيام الرخص في دول أوروبا الشرقية، يوم ما كانت علبة السجائر الأميركية الحمراء تعمل العجب، أقلها أن تطأ بقدمك المرتجفة سجادة حمراء، بعيدة عن شواربك بقدر نجمة معلقة في السماء، ويوم ما كانت العلكة تسهل كل أمر، خاصة عند نون النسوة، وأخواتها، وزجاجة العطر، ولو كان رخيصاً، ولا يصلح إلا أن يكون كولونيا لما بعد الحلاقة، لكنه كان يفرح قلب «نتاشا وتنوشكا» وإيجار الفيلا الفخمة بمائة وخمسين دولاراً في اليوم، من تلك الفيلل المحاطة بالأشجار المثمرة، والحدائق الغناء، وفيها مسابح تضحك للقادم، والتي لا نملك مثلها في بلادنا، ولا نراها إلا في المجلات الإنجليزية، يوم ما اشتريت سطل عسل نحل نقياً من جبال سراييفو بـ 30 دولاراً تقريباً، والعجوز ما زالت تودعني بنظرات الشكر، غير مستخسرة ذاك الذي أعطتني إياه، وكأنه لابنها، أيام كنا نلف يوغوسلافيا بجمهورياتها الست، والجيب لا يشتكي من عوز أو حاجة، صحيح لم يكونوا يعترفون كثيراً ببطاقات الائتمان، وربما لا يصدقونك، معتقدين بأنك تضحك عليهم، تأخذ بضاعتهم، وتعطيهم ورقة بقدر لسان القط الشارف الهرم، مذيلة بتوقيعك، ما أحلى توقيعك إن لقوا بعد بيعة ربما هي كل الكد والتعب والصبر والربح، الهواء وقبض الريح، أيام كنا نقول أننا ذاهبون لمدة أسبوع، وإذا بأسبوعهم غير أسبوعنا، أسبوعهم هناك مختلف، ومدته 35 يوماً. في تلك الأيام الجميلة الخوالي، والتي لن ترجع لا إلينا نحن السياح الدائمين، والذين نظل نوازن بتقتيرنا بين المصروف من المال، والمتبقي من الأيام، ونظل نبحث عن أرخص الأشياء، لكي لا يغلبنا بائع أو يضحك علينا دلاّل، تلك الأيام ربما لا يتمنى رجوعها أهالي بلدان أوروبا الشرقية أنفسهم، لأنها تذكّرهم بالكد دون فائدة، والعمل المضني دون تملك، وبحقبة من الحكم الشمولي، والتبعية الحزبية، والعسكرية، للدب الروسي الكبير، تذكّرهم بحروب كانت خاسرة، ورهانات ضائعة، وطاقات من زهور الأوطان غابت في السجون، والمنافي الباردة، وكانت صيداً سهلاً لزوّار الفجر، وآلاتهم الحديدية القاطعة! وغداً نكمل الاستراحة

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء