صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

كلام في وقته.. ومحله!

حادث بسيط، احتكاك سيارتين، لم يخطر ببال المتصادمين أن تصبح منه قصة كبيرة، ومهمة للطرفين، ومهمة للغاية لجهاز شرطة دبي، وقائده الفريق ضاحي خلفان، اتصل أحدهما بالشرطة مبلغاً عن الحادث طالباً إرسال مخطط لتعيين الأضرار، وإخراج ورقة التصليح، وتنتهي القصة، بعد مدة وصل شرطي غاضب، ولا أحد كان يعرف سبب غضبه، ولا مدى غضبه، لام المتسببين في الحادث، وكأنه يريد أن يقول لهما لم يكن هناك من داع لتحريكي من مكتبي في هذا الحر من أجل حادث عادي، هكذا على الأقل فهم أخونا العربي سبب الغضب، وهو الطرف الأول، أما الهندي وهو الطرف الثاني، فلم يستوعب الأمر كثيراً، فقام الشرطي، وترجم غضبه هذه المرة إلى فعل، وصفق الهندي كفاً أمام زوجته الجالسة في السيارة، أعطاهما أوراقهما وانصرف، أخونا العربي، وهو فنان ملتزم، وإنساني، كطبيعة الفنانين الحقيقيين، لم يستطع أن يخرج من صدمته، وذهول ما جرى للهندي، وما تصرف به الشرطي، وأين؟ في دبي، مضرب المثل! قرر أن يفعل ما كان يمليه عليه ضميره، وإحساسه الوطني بالمسؤولية، ومحافظة على تلك الصورة الجميلة عن أهل الإمارات، والإمارات، وطبيعتهم الإنسانية الفطرية الطاغية، فتوجه إلى مركز للشرطة كشاهد على حادثة، تصرف فيها رجل الأمن بطريقة لا تليق به كمواطن، ولا كرجل أمن، ولا بسمعة جهاز له دوره الكبير والفعّال في رسم الصورة الجميلة للمدينة عالمياً، قص عليهم ما جرى، مبرئاً ذمته، ومخلصاً ضميره من عذاب النفس، وناصراً لخصمه الضعيف، متفكراً، كيف يمكنه أن يتعافى ذلك الرجل من ذلك الكف اجتماعياً، خاصة وأنه كان أمام زوجته، وفي الشارع، ولأنه ليس لديه أقوال أخرى.. وقّع، وانصرف بسعادة، أزاحت جزءاً من وزر نفسي ثقيل! في الساعة الرابعة فجراً، تلقى اتصالاً من المركز، مطلوب منه أن يوافيهم في الحال، ودون تأجيل أو تعطيل، تحرك صوبهم، وبقي هناك من ساعته حتى السابعة صباحاً، في تلك الساعات تحول من شاهد إلى متهم ببلاغ كاذب، وربما إزعاج السلطات، لأن الهندي في «تقريرهم» لم يعترف بالحادثة، ولا ما جرى له، أسقط في يد المواطن العربي، غير مصدق، فتم حجز جواز سفره، بانتظار سير مجرى القضية التي سترفع ضده، لكن من وراء العين الكاذبة، هناك ألف عين صادقة، وتَرْقَبُ، وعلى بعض الحرّاس، يجب أن يكون هناك حرّاس أُخر! نقل الموضوع لمكتب قائد شرطة دبي، النزيه والوطني، فاستنفر، وأنفر منتسبيه للتحقيق في الموضوع، واستجلاء ما استغمض منه، وسماع قول شاهد، تصرف بروح المسؤولية، وبوحي ضمير حيّ، لكن العقبة الكأداء، كان الشخص الهندي الذي كان يرتجف في عز صيفنا، خوفاً على الرزق، والعمل، وانقطاع الأسباب، وكيف يمكن أن يثق بالآخر، وإن تغير اللبس أو تغيرت الوجوه، والأمكنة، هل يقدر أن يغير كلامه؟ صدق العربي، وولاؤه للمكان، وشعوره الإنساني نحو الآخر كان على المحك، وخوف الهندي المبرر، وربكة الإنسان البسيط، راضياً من الغنيمة بالإياب على المحك، لكن للصدق والعدل وفعل الخير ألف جناح ملك. أبو فارس كعادته، تصرف بحكمة الكبار، واعتذر من ضيفنا المواطن العربي، مثنياً على روحه المسؤولة، ومواطنيته الحقة، واعتذر للرجل الهندي البسيط مدركاً أن الرهبة، وقلق اللقمة الحلال تدمر شيئاً في النفس، أما القلة المتسببون في جهازه الكبير، فهو أدرى بما في شعاب الوادي، ولن تنقصه الدراية والفراسة! هناك حالات يجب أن نتوقف عندها، ونمتدحها، ونعمم فائدتها، ونشيد بها وبأصحابها، شكراً لقائد شرطة دبي، ولجهازه الأمني، وهذه تحية عسكرية لهم.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء