اطلعت على العدد من الأول من النسخة الإنجليزية لمجلة “999”، التي تصدر عن وزارة الداخلية، والواقع أن المجلة وشقيقتها الكبرى الصادرة باللغة العربية، تصدران بمستوى تحريري وفني رفيعين، يعبر عن الآمال الكبيرة الموضوعة على رسالتها في خدمة دور توعوي يحتل مكانة كبيرة في استراتيجية وخطط الوزارة.
وقد لفت نظري في ذلك العدد، النسبة الكبيرة من الوافدين الذين استطلعت المجلة آراءهم واعترفوا بأنهم يجهلون ثقافة المجتمع الذي يعيشون فيه، فقد كانت النسبة 72% بين أكثر من ألفي شخص استطلعت آراءهم. وهي نسبة عالية جدا، تثير تساؤلا مهما حول المسؤول عنها. وربما تكون صورة مختزلة لتأثيرات طوفان جاليات تعيش في الدولة وتتعايش فيما بينها، وهي من أعراق وثقافات متعددة، تقدم صورة زاهية عن التسامح والتعايش في الإمارات. ولكن أليس من حقها عليهم التعرف على ثقافتها مما يتيح لهم الاقتراب من خصوصية مجتمع الإمارات، وبالتالي احترام تلك الخصوصيات في تعاملاتهم وسلوكياتهم اليومية. وأبسط مثال على ذلك تجاهل شرائح واسعة منهم قواعد الاحتشام في الملبس، ولا أقول التصرفات الخادشة للحياء في الأماكن العامة.
ذات مرة كنت في العاصمة البريطانية لندن، ولم يكن لصحف “التابلويد” من شاغل سوى انتقاد تصرفات السياح الخليجيين، وإبراز عدم إلمامهم بالثقافة الغربية و”الإتيكيت”. وتنتقد عدم حرصهم على “التعرف” على ثقافة البلد الذي يزورونه. ولم تمض بضعة أسابيع على تلك الزيارة إلا والوسائل ذاتها وصحف “التابلويد” ذاتها تطلق سهامها علينا بسبب قضية محاكمة رجل وامرأة منهما ارتكبا فعلا فاضحا على شاطئ دبي. فكيف يدعوننا لاحترام “الاتيكيت” هناك، ولا يحترمونه هنا؟. وتابعت بارتياح جهدا قامت به سفارتهما بعد ذلك، وفي مناسبات مختلفة تشدد خلالها على ضرورة احترام القوانين والثقافة المحلية.
وفي العديد من المراكز التجارية الكبرى، توضع لوحات إرشادية تدعو الزوار للاحتشام، من دون جدوى. وإذا كان للزائر بعض العذر، فماذا عن المقيم الذي مضى على إقامته في الدولة سنون؟.
أعتقد أن مسؤولية احترام ثقافة وخصوصية المجتمع المحلي تتحمله جهات عدة، في مقدمتها دوائر السياحة، بالتنبيه على الفنادق بتذكير الزوار بقواعد الاحتشام والسلوكيات المستهجنة محليا. أسوة بما نجده نحن في الخارج عندما تلفت الفنادق أنظارنا لبعض الأمور المطلوب مراعاتها. كما أن جهات العمل مدعوة للمشاركة في هذا الجهد لتعريف هؤلاء المقيمين بالثقافة المحلية، وبضرورة التقيد باللوائح والقوانين المحلية، حتى لا تتم مخالفتهم.
وقد قطعت شرطة أبوظبي شوطا متقدما في هذا الاتجاه من خلال “شرطة الجاليات”، حرصا منها على تحقيق أكبر قدر من التفاعل بين هذه الجاليات والمجتمع الذي تعيش وتعمل فيه. ولكن للأسف البعض منهم يصر على الانغلاق داخل قوقعته، ويعيش داخلها. ويكتشف أن علاقته بالمكان هي مجرد علاقة مصلحة، لأنها مصدر رزقه لا غير. ولا يعلم سوى ذلك عن وطن احتضنه بكل تقبل وأريحية وأتاح له فرصة للعمل والتطور بامتيازات لم يكن ليحلم بها، ولا ينتظر منه إلا الإخلاص والاحترام. يتحدثون منظرين بعد ذلك عن التفاعل والانغلاق!!.


ali.alamodi@admedia.ae