صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

«المتوحدون»

«المتوحدون» صفة يمكن أن نطلقها على مستخدمي أجهزة «بلاك بيري»، إذ يتملكك العجب أن تجد أحدهم أو إحداهن وقد التصق بذلك الجهاز حد أنك تشك أنه مصاب بالعشو، من كثرة ما يدفن عينيه في تلك الشاشة، وتظل أصابع يديه، وكأنه “يُسَبّح” بحمد الله ويثني عليه بالشكر.
الغريب أن هذا المنظر الشائع للجيل المراهق في كل أطراف العالم أو الصورة النمطية للشخصية ما دون العشرين في عالمنا المعاصر المبتلى بأجهزة الاتصال والتواصل، بحيث يمكن أن تكسب الرهان مع صديقك الخمسيني الذي لا دخل له بتلك الأجهزة الذكية، مكتفياً بهاتف قديم “يرسل ويستقبل”.
وهذا خيار أعتقد أنه غير صحيح، لكن لا يمكنك أن تغير قناعاته، أن تلك البنت لن تستطيع صبراً عن هاتفها دقائق إن لم يكن ثواني، وأنها بعد أن تدخل المكان وتأخذ جولة بانورامية بعينيها من تحت “الغشوة” ستجلس في مكانها، وبعد أن تطلب “كابتشينو” مباشرة ستلعب يداها بذلك الجهاز المدلل، وسيظل الإبهامان في حركة دؤوب.
تقول الآن ستمل، الآن ستتعب، الآن ستغير رأيها، وتقرأ جريدة، الآن ستتوقف عن العبث، وتجلس تتأمل، الآن ستنتبه للـ”كابتشينو” أنه برد، الآن ستخرج من حالة التوحد مع جهازها، وتصحو لحالها.
رفقة يتحلقون على طاولة متقابلين، وتقول الآن سيلعبون “ورقاً أو كوت” هكذا النية، وبعد لحظة يتحسس كل منهم جيبه، ويخرج سلاحه، ويظل يتفنن بالتوحد معه، تمر نصف ساعة، ولا أحد منهم يرفع بصره، ولا أحد يشعر بالآخر، وتريد أن تدرك ما معنى خروجهم مع بعض إلى مكان عام؟
والآن انتقل التوحد مع جهاز “بي. بي” إلى طاولات الطعام في البيت، وإلى صالونات الجلوس في البيت، وإلى غرف الأختين اللتين تتشاركان الغرفة، كل واحدة مع “جماعتها” ولا تدري عن جارتها، حتى أن البنت تكلم جدتها، وهي “تتحاور مع جماعتها”، تظل الجدة تسأل عنها وعن أمها وأخواتها، وليش ما شافتهم من مدة؟ فترد البنت على جدتها، ويداها تلعبان على الأزرار، وعيناها تبربشان في الشاشة..
لماذا نطلق عليهم صفة المتوحدين؟ لأنهم ينفصلون عن عالمهم الواقعي الكبير ليعيشوا في عالمهم الصغير المتخيل والمركب من خلال أجهزتهم التواصلية، لا أجهزتهم التخابرية، لأنهم نادراً ما يتحدثون مع بعضهم بعضاً الحديث المباشر والتلقائى، وهذا نوع من التوحد، والنوع الآخر من التوحد أنهم أصدقاء مخلصون لأجهزتهم التي يتماهون فيها ومن خلالها حتى تكون جزءاً من الشخصية، وهي بالتالي مصدر ثقافتهم، وتنوع معارفهم، ولا يعنيهم رأي الآخر المخالف، ولا يحبذون الجدل النافع لتصحيح وتقارب وجهات النظر، لأنهم ضمن جماعة صغيرة مختارة، متوافقة، وتكاد تكون في فئة عمرية واحدة، وهنا مكمن الخطر حيث تنشأ الشخصية من دون تراكم تجارب حقيقية، ومختلفة، ومتبادلة، ومتضادة، فتصبح متوحدة!


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء