صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

يحب أن يكون دوماً متعافياً!

هناك صديق يحب أن يطبب نفسه، بنفسه، ودائماً يُسهل الأمور عليها، فغالباً ما يستعمل التصبيرة من مسكنات إن طنّت له أذن، أو زغللت له عين، يحاول قدر الإمكان أن لا يزور طبيباً أو عيادة أو يدخل مستشفى، لأن عنده نظرية، ولا يصدقها أحد غيره، إنك أن ذهبت إلى طبيب، فلن يكتفي بعلة واحدة فيك، فقد يظهر لك المختبئ الذي لا تود معرفته، أو على الأقل يمكن تأجيله إلى عمر متقدم، وإن لزمه الأمر، ورأى أن لا مناص من المستشفى، سأل عن مستشفى فيه زميل أو واحد من معارفه، أو من الأطباء العرب الشيوخ ممن درسوا على يد ابن سيناء والزهراوي، خريجي الطب بالعربي، والذين عادة ما تستعين بهم شركات الأدوية في آخر عمرهم في ترجمة المصطلحات الأجنبية وتعريبها، لأنها ملزمة بتبيان ذلك في وصفة الدواء، وممن يشعر أنهم مثل أبيه أو بعمر معلمه، ممن يحنّون على المريض، ويتعاطفون معه، ومع خوفه وهلعه، لا يطيق الأطباء الجدد الذين يتكلمون الإنجليزية بلكنة أمريكية أو خريجي إحدى الولايات الأمريكية التي لا يتمنى زيارتها في يوم من الأيام أو على الأقل ليست في نطاق تفكيره إلى مدى طويل، ممن يقول عنهم أنهم يورّمون الواحد وهو حي، ويضخمون الأمور حتى يتضخم طحالك، ومن حوباتهم وكلامهم الذي ينم عن ثقة في معارفهم التحصيلية يمكن أن تتدارك المرارة في آخر عزمها، وأن البنكرياس كان معطلاً في الأساس، لكنك تشغّله بالبركة، ودعاء الوالدين، ومن تحليلاتهم يمكن أن ينقطع الطمث عن زوجتك، شعارهم كل الأمور على المحك، وأن المريض مثل العجل السمين، تقول لهم : صلوا على النبي، الأمور غير محتاجة، يقولون لك إن التحليلات لا تبشر بالخير، والاحتياط واجب، وعلينا أن نقدم الدواء قبل استفحال الداء، وأن الأسيد إذا ما صعد إلى الدماغ دخلت في غيبوبة، وعطبت الكليتان، ولابد حينها من الديزلة أو غسيل الكلى، فتحوم ساعتها غمامة سوداء فوق رأسك، وتكاد لا تبصر غيرهم، وغير العمى! هؤلاء الأطباء يفزع منهم، وهم لا يجدون فيه ما يرضيهم، لا انتظام عنده في تناول الوجبات الغذائية، وفي حينها، وتنوعها، وتقسيمها على وجبات خفيفة طوال النهار، بل هناك تخبيص، وإثقال المعدة أكثر مما تتحمل، فهو يشرك اللحم في كل شيء، فإذا كان صحن حمص، فلم لا يكون على وجهه لحم لسان عصفور، وصنوبر مقلي بزيت الزيتون، وإذا ما كان هناك طبق بيض، فالبيض لا يحلو تقليته إلا بالزبدة مع اللحم في صحن فخّار، يظل على الدوام ساخناً، ومرة عزمته على غداء، وأردت أن أخيّره بخبث، بين صينية دجاج في الفرن مع باذنجان وبطاطا وخضراوات، وبين صحن برياني عليه «تويس الدار» صغير، ومحشو بالمكسرات والبيض، وبين صينية عيش شيلاني أبيض عليه «سمن الدار» وأسماك منوعة مشوية ومقلية، فتحمضّ وتلمظ، ونظر إليّ بعين المتعَب، ونظرت إليه بعين المشفِق، وقال الثلاثة، يعني ما يصيرون كلهم! صديقي عدو الأطباء خريجي أمريكا، صديق الحياة، كثيراً ما ينتصر عليهم، لكنه لا يقدر أن ينتصر على نفسه الأمّارة بلذيذ النعم، ومع ذلك حين يضطر إلى مراجعتهم، ويسألونه عن صحته بلكنتهم الأمريكية، يقول لهم:»سو فار.. سو كود»!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء