كلما ضرب «داعش» في مكان، فجر نفسه في مكان آخر، والأصوات النشاز في آخر الزمان، تستغل هذا الغش الأيديولوجي، وتبدأ في إفراز المكنون في إحدى الفضائيات المرتجفة، ظهر علينا أحدهم وصار يرعد ويزبد، ويسف ويستخف، ولم يكف عن توجيه الاتهامات وإثارة النعرات. هذا النكرة شخص مصري الأصل يعيش في أميركا، ولديه الجنسية الأميركية، رفع صوتاً أشبه بالنهيق، وقال بتهدج إن المسيحيين أقلية في مصر، وهذه الأقلية تعاني من الإلغاء والإقصائية. نعم لقد حقق «داعش» جزءاً ولو كان يسيراً من أهدافه، وحفر في العمق، فأيقظ الأحافير كي تفرك عن أجفانها، وتزيح الغبار وتصرخ بسعار أنها مضطهدة، ومثل هذه النعرات سوف تنتشر في الوطن العربي، مثل الوباء، وسوف يلعب اللاشعور الجمعي دوراً فخرياً في تأليب الكامن في الهواء الساخن.. هذا الشخص المصري الأميركي الجنسية، وجد الفرصة سانحة كي يعبر عن حقده على مصريته السالفة بعد أن باعها بهوية أخرى، وصار من السهل عليه كي يعبر عن هذا المكنون الفاسد، ولكن السؤال كيف اعتبر نفسه مظلوماً، وهو الذي تغير وغير فصيلة دمه، وكيف يتصدى شخص مثل هذا ويتباكى على المسيحيين في مصر، وهو لا يعرف عن مصر سوى الذكريات وخيالات مندثرة؟ ما نطق به هذا الشخص، يدل على اللامبالاة، وعدم الاكتراث بمصر كوطن، والانغماس في أتون شعارات صفراء لا هدف لها غير تشويه الحقائق، وتزييف الواقع. فقد عشت في مصر ورافقت المسلم والمسيحي، ولم أجد ما يصفه هذا النكرة بالاضطهاد، لم أجد سوى سجية الإنسان المصري، الذي فطر على الحب، والانتماء إلى مصر، قبل أي شيء. ولكن المغرضين يغتصبون الحقائق كما يخطفون الواقع، ويغادرون المكان إلى مكان آخر، برغبة في التحريض، وتفويض أنفسهم كأوصياء على الآخرين، ولكن مع كل هذا اللغط والشطط، فإنني على يقين من أن الشعب المصري الأصيل، قادر وبجدارة أن يتجاوز هذه الترهات، وأن يعبر محيط الافتراءات، وأن يفشل خطط كل من يفكر في إيذاء مصر، باستخدام المصطلحات القديمة، لأن مصر، كما عجز الفاطميون عن «تشيعها»، فإن الحفاة الجدد والغلاة سوف ينكسرون على صخرة الصمود المصري، وعبقرية الإنسان في أرض الكنانة، وفطرته الأصيلة في حب مصر. فلن يستطيع «داعش» أن يغير من لون النيل، ولن يستطيع الانتهازيون من ركوب الموجة، لأن أمواج مصر عاتية تغرق كل السفن المعتدية مهما بلغت من بلاغة وفصاحة. مصر واحدة وليست اثنتين، والشعب واحد، تحميه أصالته، وتطوقه إرادته، والحب قاسم مشترك ما بين المسيحي والمسلم.