صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

لقد استنوق الجمل!

تلك عبارة مشهورة عند النحاة واللغويين، تعني كسرت اللغة، وألبست ثوباً للرجل لا يليق به، وأنثت المذكر، وتلك عيبة لا ترتضيها فصاحة ولا بلاغة العربي، خاصة إن كان أعرابياً، ولم يخالط لسانه عجمية أو اختلط بشعوب من أمصار مختلفة، كما يحدث للحضري منهم، وفي عملنا الصحفي نحاول أن نتدارك الأخطاء اللغوية، والمطبعية ما استطعنا، لذا في كل صحيفة أو مجلة حرّاس للعربية، مهمتهم إصلاح اعوجاجنا نحن الكتّاب، وتجميل أخطائنا أمام القراء، ومهمتهم الثانية تفادي الخطأ، وتنقية اللغة، واستقامة إعرابها ونحوها، لكن حين يقع المصححون في الخطأ، فتلك ما يعرف بغلطة الشاطر، التي تساوي ألفاً، لا كبوة حصان، ولا هفوة عالم، ولا زلة لسان! وطوال العمل الصحفي صادفتنا أخطاء قاتلة، لا تستطيع حتى الاعتذار عنها، فتظل قابضاً خاصرتك لكي تمر رياح الغضب والاحتجاج والمساءلة، والدعاء من أجل الثبات على المبدأ، والصبر عند الشدة، وأن لا تلقى زملاءك في الغد بوجه عبوس، لأنهم أخلوا سبيلك، وأنهوا خدماتك، لذا يبقى الكتّاب هم الأكثر حساسية في هذا الجانب، ولا يغفرون للأخطاء التي تفلت من بين أصابع المصححين، أو من خلال مطبخ المطبوعة. بعض هذه الأخطاء مضحكة، وبعضها غريبة، وبعضها تأتي على أجنحة الصدفة غير المتوقعة، وبعضها، وإن كانت خطأ، حين تقلّبها ذات اليمين أو ذات الشمال تجدها تحمل الوجهين، فهي كمن جاء يعورها فكحلها، عكس المثل الشائع، ولو أحصيت ما حدث معي من مثل هذه الأخطاء لما استطعت الإيجاز، فمثلاً بالأمس صحح المصححون ما كانوا يعتقدون أنه خطأ، فخطّؤوني، فالعين نقول تغزر في المغطاي، أي تشتهي المستور، ولو بالنظر، فقلبوا جملة «ولا يخالطهم في أكلهم، لكي لا تغزر عيناه في مأكلهم» إلى «تغرز عيناه..»، وهي جملة لا تستقيم لا مبنى، ولا معنى، وإن كان الفرق هو تبديل النقط على الحروف، كذلك غيرت «لما» إلى «ما» في أول لمقال، وبالتالي اختلف المعنى! وفي صحفنا المحلية أو العربية هناك أخطاء بشكل يومي، ورغم وجود ألف عين، وعين ترقب، فبتغير حرف في عنوان مقابلة الفنان راشد الماجد، أنه من أب سعودي، وأم بحرينية، انقلبت الصورة وتشوهت، ولا يفيد فيها الاعتذار، ومرة ظهرت الأخبار المصرية عام 1960 بعنوان «مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان» نتيجة تداخل عنوانين في الصفحة الأولى، الأول يتحدث عن زيارة الرئيس إلى باكستان، والثاني عن مصرع السفاح، أما عنوان مقابلة أنور السادات في إحدى الصحف العربية، فظهر بدلاً من الرئيس المؤمن، الرئيس المدمن، ومرة ثارت ثائرة الأجهزة الأمنية في إحدى الدول النامية، لأن صحفية مبتدئة، وصفت انقلاب دراجة جندي في الشارع بـ«انقلاب عسكري في شوارع..» ومرة عنونت صحيفة عن وزير «يتجول» في أحد المشاريع الوطنية، بتغيير حرف الجيم إلى باء، وهناك صحفي هبّاش استمالته إحدى الدول، وكرمته، وحين رجع تكلم عن بحيرة تحمل اسم رئيس البلد و»ما جرى» فيها، لكن النقطة استقرت من تحت إلى فوق، وتعرفون تمام القصة، ويمكن أن يتحول الـ«طلاب إلى كلاب» والـ»كلية إلى كلبة» والتمني بالشفاء الدائم إلى الشقاء الدائم، وتعلن إلى تلعن، ولعل من الأخطاء الصحفية الجميلة، ما حدث لنوبل، حين قرأ خبر موته، وأن سيرته لم تكن حميدة، فاختراعه للقنبلة أباد بشراً، ولم يترك زرعاً، فخيراً فعل لأنه رحل، فمثله عار على البشرية، حينها قرر عمل جائزة نوبل تخليداً لاسمه، وتطهيراً لفعله، وخدمة للبشرية!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء