لو قطعنا نصف جذورنا الشائخة ونصف أغصاننا اليابسة واستبدلنا ترابنا القاحل بتربة أكثر خصوبة وغنى بعناصر التجدد، وروينا نبض أرواحنا بعذب الماء، هل نتجدد، نزدهر، نخضر، نتفرع، نغتني بالزهر والثمر، نصير أكثر نضارة، أقوى جذعاً، وتشب لنا جذور جديدة كشجرة بين يدي مزارع يتقن فن ''البنساي''؟ إذا لم نكن شجراً فماذا يمكن أن نكون سوى كائنات تعتقت جذورها واهترأت وما زالت تتشبث بتراب أقحل وذاكرة تراكم عليها غبار الهزائم والانكسارات، وتوغل في جذوعها اليباس ونخرتها الأساطير حتى لم تعد أغصانها تتفرع وتتكثر بغير ما نشأت عليه؟ ولأننا لسنا شجراً بالمفهوم العلمي والواقعي، يمكننا أن نستخدم المصطلح رمزياً فيما يخص الإنسان· ففن ''البنساي'' يخص النباتات التي تزرع في الأصص تحديداً· إذ يمكننا بهذا الفن أن نزرع أشجاراً أو شجيرات لتعمر سنوات تزيد على خمسة وعشرين عاماً في أصص صغيرة مفلطحة ذات عمق بسيط· وبهذا الفن نقول وداعاً للأصص الضخمة التي تحتل حيزاً كبيراً في المنازل· للذين يعشقون الزراعة وتأسرهم روعة النباتات تصبح معرفة فن البنساي ضرورة، لكن ما هو ''البنساي''؟ يعود تاريخ هذا الفن أو التقنية إلى ما قبل ستة آلاف عام، وقد ابتكره الصينيون بداية ثم انتقل الى اليابان· وأصل الكلمة تتكون من كلمتين (بون-bon) وتعني صحن أو طاسة و(ساي-sai) وتعني شجرة، أي أنك تستطيع أن تربي شجرة ضخمة في صحن صغير· كيف يمكن ذلك؟ ببساطة مدهشة، كلما نمت الشجرة ترفعها من الوعاء وتقطع نصف جذورها السفلية وتشذب غصونها وتعيدها الى الوعاء مضيفاً اليها تربة جديدة غنية بالعناصر المغذية وتسقيها برذاذ الماء· هكذا ببساطة متناهية تستطيع أن تملأ المنزل بنباتات لا تأخذ أوعيتها حيزاً كبيراً· والمتتبع للمعارض الزراعية قد يرى بين العروض أشجاراً جميلة الشكل أصلها ضخم من تلك التي نراها في الشوارع والحدائق نامية في أوعية صغيرة مفلطحة· لكن أشجار ''البنساي'' ليست ضمن ثقافتنا الزراعية، لذا نحن لا نعرفها ولا نعرف تفاصيل هذه التقنية· وهكذا إذا ما اعتبرنا الإنسان -رمزياً- شجرة، ووعاءه -رمزياً ايضاً- هي البيئة والثقافة التي تكون شخصيته وسلوكه وأفكاره ومواقفه من العالم وما يحيط به، وعقائده، وجذوره التراثية، وتاريخه الحضاري سالفاً وراهناً·· فإننا بفن ''البنساي'' نستطيع أن نجتث نصف جذوره الشائخة وثلاثة أرباع تربته التي أقحلهتا ثقافة العنف وعصفت بفروعه اليابسة رياح التغيير وتعذر نمو فروع خضراء نضرة، لنعيد تشكيله وتجديد ثقافته وشخصيته وفكره ليكون اكثر حداثة ومعاصرة، ونجعل حياتنا أكثر سلاماً وأعمق إبداعاً وخصباً· ولأني أعدت زراعة نباتاتي وتكويني الشخصي بفن البنساي، فقد تخلصت من الأصص الضخمة التي كانت تحتل حيزاً كبيراً في بيتي الصغير، ومن تربتها وتربتي القاحلة، ومن تفرعها العشوائي وثقافتي العشوائية ومن جذورها وجذوري الشائخة، فإننا ننمو معاً أكثر تجدداً وخصباً وإثماراً· وها أنا أقدم هذه التجربة الجميلة هدية لكل من يقرأ هذه الزاوية·