صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

قرار بحجم الفرحة

بعد القرار، وبعد الفرار من ربقة الصيف، ومحنة الحيف، صار ملزماً على الأسر أن تغير برامجها وأن تجدول أيامها الرمضانية حسب ما تقتضيه حاجة الصغار الذين سيظلون يحرسون الليل ويهجرون النهار، ويقضون أيامهم الحلوة في الشهر الكريم أمام شاشات التليفزيونات ويتابعون عن كثب وفي شغب وبلا عتب كل ما تبثه الفضائيات من برامج ومسلسلات. بعد القرار علا التصفيق، واتسع التحديق، وصار التحليق عالياً في خيالات وأمنيات وأحلام عن الأيام التي ستهل وتطل بإشراقة رمضانية رحمانية، يجتمع فيها الصغار قبل الكبار حول موائد وقلائد وقصائد فسيفسائية من طعام ما بعد النهار، وما بعد النوم الطويل، وبعد الغروب وهروب الشمس إلى نهاياتها القصوى. بعد القرار بتأجيل الدراسة إلى ما بعد عطلة العيد، هلل الصغار وبللوا ريقهم برضاب الفرحة، وجاشوا وهشوا وتمشوا فرحين حبورين، قائلين لآبائهم عليكم الآن أن تستعدوا لرمضان وللياليه المبهجة، وألا تسطوا على راحتنا وتأمروننا بالنوم باكراً، فهذه إجازة رسمية ببصمة من سلطة عليا أعلى من سلطاتكم، فدعونا نفرح ونسرح ونمرح ونكلل أيامنا الصيفية بأوقات لا يشوبها قلق ولا يعتريها ألق، ولا يساورها رهق.. فدعونا نفرح، وبعد العيد يحلها ألف حلال. بعد القرار صارت الفسحة واسعة والجو بارداً، ونسيمه عليلاً، وفضاؤه جميلاً، والأشياء في عيونهم تزهت بأنوار شهر رمضان قبل أن يحل ويطل بأيامه ولياليه.. الصغار مرتاحون، لأن الفكرة جاءت في الاتجاه الصحيح، وهم يعرفون أن في شهر رمضان الدراسة مجرد خدعة بصرية، فالمدرسون يدخلون الفصول الدراسية متثائبون، مرهقون من تجوالهم في الأسواق وفي المحال التجارية إلى أنصاف الليالي لتحقيق مطالب أسرهم كسائر خلق الله.. والطلاب يقتعدون كراسي الدراسة وقد ذبلت وجوههم سهراً، وتغضنت جفونهم كدراً، ونامت عقولهم إرهاقاً وتعباً، والصيف الحارق يجلد الجميع من مدرسين وطلاب بسياط الحرقة ونزيف العرق. الكل يلهث والكل ينتظر ساعة العودة إلى البيوت ليغط في سبات عميق إلى ما بعد الفطور، والجميع يكون في هذه الحالة لا صام حقاً ولا درس. الجميع يعرف أن الطلبة لا يعملون في مناجم ذهب، ولا يؤدون أعمالاً شاقة نتيجة قضاء عقوبة ما، لذلك كان القرار الصحيح أن تؤجل الدراسة وأن يمنح الطلبة والمدرسون فرصة لأخذ الأنفاس وبدء عام دراسي بلا عناء ولا شقاء، ولا فرض الأمر الواقع. وزارة التربية بكامل طاقمها من خبراء ومستشارين يعرفون ذلك ويعانون من مرارة الصيف كما يعاني الطلاب والمدرسون، لذلك جاء القرار ليحقق رغبة الناس وأمنيات الطلبة. وأمنياتنا أن تصدر قرارات مماثلة في رؤيتها اللامعة، وأن تحقق أمنيات الوطن أجمع في كيفية المناهج وتعاطيها وتأديتها لتتناسب مع القدرات والإمكانات واحتياجات المرحلة. المناهج المتاحة الآن تحتاج إلى كثير من الدراسة والتفحص والتمحص والتدقيق لتصبح بفائدة أكبر، ولا عيب أبداً أن نعيد النظر في أشياء أخرى يجب أن تغربل أشياء كثيرة، وأن تقلب وتوضع في منخل الدراسة والعناية لتصبح ذات جدوى ومعنى لتفرز كوادر شابة وعناصر قادرة على مسايرة ركب التطور المنشود والمطلوب والمرغوب. بهذه الأريحية نريد تداول العملية التعليمية بشكل يعفينا من العقد ومن لوغاريتمات الدراسة التقليدية. نتمنى مرحلة جديدة تعيد التعليم إلى منبعه.

الكاتب

أرشيف الكاتب

الذائقة

قبل 4 أيام

نظرية الحب

قبل 5 أيام

الوعي بالحرية

قبل 6 أيام

لسنا أحراراً

قبل أسبوع

تصريحات مضللة

قبل أسبوع
كتاب وآراء