صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

لفعل الخير.. طعم في الحلق!

ما يشعر الإنسان بفرح طاغ حين يفعل الخير؟ أو حتى حين يسمع أن فلاناً فعل خيراً؟ لم للخير وجه حلو، وظل سعادة ترافقه دائماً؟ يزهو الإنسان، يشعر بمطر يغسله، ويغسل الأرض، يشعر بنسمة باردة تهب تحت جناحيه، وأنه بخفة طائر جميل من طيور الجنة، يشعر أن الدنيا لا تسعه، وأن ورودها أكثر، وألوانها أبهج! لماذا تفعل فينا كلمة الخير، عملها، كل هذه الأشياء التي تسر النفس، وتمدك بروح الحياة؟ هكذا تعود أهل الإمارات، وناسها الطيبون، وهكذا كانت حياتهم، وهو إرث ممتد من عروبة صافية، وقيم دين نبيل، وأشياء غرسها الأهل الأولون! كان العربي يجهد حصانه، لكي يصل صديقاً منقطعاً، أو جاراً ملهوفاً، أو عزيز قوم ذل، يطوي الصحراء ليضع صُرة فيها كل ماله، أو ما تبقى من حلاله، عند عتبة بيت لا يعرفه، ولا يعرف أهله، كل الذي يعرفه أنهم بحاجة، والحاجة قتّالة، دونها كرم النفوس، وعلو الأنوف، وانكسار العين، وهي أمور لا يجدر أن تعمل في الحر! يرجع ذلك العربي، الأبيّ بعد أن يصبح نعته منذ ذلك اليوم بـ»جابر عثرات الكرام»! نفس هذا العربي، أو أخوه الذي يشبهه، هنا أو هناك، لا يطفئ ناره، لأنها تهدي الضيف في ظلمات الرمل، وفضاءات الصحراء، قد يجود بناقته، رفيقة دربه، ومسراه، إن قصده ضيف، أو لفاه خاطر، يجعلها قِرى لهم، ولا يخالطهم في أكلهم، لكيلا تغرز عيناه في مأكلهم، لا يسأل مَن همّ، ولا عنهم، ولا متى رحيلهم، لا يسألهم إلا عن وجهتم، ليزودهم بزوادة الطريق، أو يؤمن لهم رفقة الطريق! جاء الإسلام فأكبر في العرب هذه الخصال، حتى عدّها من نُبل الرسالة، وعلو شأنها، حتى غدت قصعة الأكل تحوم من بيت إلى بيت، حتى وصلت إلى بيت أبي الحسن والحسين وفاطمة الزهراء الذي خرجت منه، والكل يؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة، ويؤثم جار يجد لقمة، وينام شبعان، وجاره الجنب على الطِوى! وفي المجتمع المحلي كان نعت «أخو شما» مما يتواصف به الرجال، ويتفاخر به القوم، لأن «أخو شما» لا يسمح لأخ أن ينكسر، أو جار أن يضام، أو صاحبة خدر وستر أن تجرح، هو عون لكل الناس، سدّاد، حلاّل، خدّام للجميع! تلك بعض من قيم الخير والحق والجمال في حضارتنا العربية والإسلامية، لن ندع الظروف، وتبدل الحال، وتغير المآل، ودعوات الاستغراب، ورياح التغرب أن تجرفنا، بما فعلناه بأنفسنا أو بما فعله بعض السفهاء منا، أو بما يريد الآخر أن يفعله بنا، مما حدا ببعض أو كثر من العرب المخلصين، والمسلمين المتنورين، ممن أضناهم الوضع، وما آلت إليه الأمور في العالم، أن يعلنوا براءتهم من العروبة هويتهم، ومن الإسلام رسالتهم السامية إلى الشعوب، والتذلل من أجل الجلوس في جُحر الضب الأرقش، على صغره، وحِجر الغرب المنمش، على لهيبه وجمره! هكذا عادة.. في وقت الانهزامات، ووقت الخرائب، ووقت تحطيم المجتمعات، وتفجيرها من الداخل، لا بد أن نرتكن إلى القيم النبيلة في الشخصية العربية والإسلامية، وأن لا نجعل دعاة الظلام والتكفير أن يتصدروا عناوين حضارتنا، وفكرها الذي قادت به الأمم يوماً ما، ونوّرت طرق كثير من الحضارات الإنسانية.. لأنهم كانوا وجوهاً مشرقة بالخير، وفعل الخير الذي له طعم في الحلق!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء