صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة

كثيراً ما يتحدث الناس عن التفاؤل والتشاؤم. يقرون بأهمية الأول ويدعون إليه، ويسفهون الثاني وينهون عنه. ورغم أن للتفاؤل والتشاؤم دلالات وبواعث مختلفة إلا أنهما حالتان تصيبان الإنسان الواحد وفق تكوينه المعرفي وظروف معيشته المتبدلة وموقفه من الحياة وطموحاته بصفة آنية ومتقطعة أو بصفة دائمة. ونادراً ما يكون الإنسان متفائلاً أبداً أو متشائماً مطلقاً، إلا في واقعنا الذي تصير فيه الاستثناءات قاعدة! إذ إن التشاؤم والتفاؤل حالتان انعكاسيتان. بمعنى أنهما انعكاس للظرف الموضوعي على الشخصي وانعكاس للشخصي على الموضوعي، في عملية تبادلية تأثيرية. ولأن مجال هذا التحليل يضيؤه علم النفس، فإن ما يعنينا هو ظاهر الموضوع ومقياسه المتعارف عليه بين الناس الذين عادة ما يحتكمون في العموم إلى سطوح الظواهر دون الغوص في التأويل والتحليل. هكذا تفهم حالتا التفاؤل والتشاؤم، لكن كاتصاف وليس كحالة لها شروطها وملابساتها. فإذا سمعوا إنساناً يتحدث عن الإنجازات العظيمة والخير العميم والحال التي ليس أفضل منه، وأثنى وحمد على القليل والسلامة، ورأى أن ليس في الكون أفضل مما هو كائن، وليس في والواقع افضل من واقعه... إلخ من هذه المقولات الطيبة قالوا: إنه متفائل! وإذا سمعوا إنساناً يتأفف من الحال المائلة والانتهاكات متعددة لأشكال الحياة وحق الإنسان فيها والبطالة والفقر والمجاعات والنهب والقمع والغزو.. إلخ من هذه المقولات الخبيثة قالوا: متشائم! والواقع أن المتفائلين نوعان، وكذلك المتشائمين. فالنوع الأول من المتفائلين يرى الطيب من الأمور ويرى الخبيث أيضاً، لكنه يعتقد أن الأمور المعوجة وقتية وزائلة وفق مبدأ «دوام الحال من المحال»، وإن في التاريخ شواهد كثيرة أثبتت صحة ذلك المثل. وإن ما عليه سوى الانتظار والنظر إلى الحياة، بمنظار وردي، هكذا بروح قدرية طيبة. وهذا النوع من الناس يقرأ الصحف ويستمع إلى نشرات الأخبار، ويشاهد الكوارث البشرية عبر شاشات التلفزيون وقد يقرأ كتاباً تحدث عنه بعض الأصدقاء، ثم ينهض إلى شؤونه معافى ومقراً بأن الحياة هي هكذا فليس من داعٍ للانزعاج الشديد. فالحرب الأهلية التي تدور في أفغانستان وهيمنة النظام العالمي الجديد والحرب الأهلية في الصومال ومجازر «الربيع العربي!!» والجوع الذي ينهش أحشاء ملايين الأطفال (وفق تقرير منظمة الفاو) والحرب الدائرة بأقنعتها المتعددة في فلسطين... مما نعرف ويعرف الجميع، كل هذه الأمور وغيرها إنما هي أحداث عادية، وقد تضفي على الحياة نوعاً من الإثارة والتجدد، طالما أنها بعيدة عن مجال هذا النوع من المتفائلين، ولا تمس حياته الشخصية، وتصلح مادة للحديث بين المتفائلين أمثاله من الأصدقاء وتمنحه إحساساً بالإحاطة بكل ما يحدث وتكسبه شعوراً بالأهمية الشخصية التي عادة ما تميز العارف من الجاهل. فلماذا «يغث نفسه» ويحزن على أناس يقتتلون فيما بينهم. وأناس لا يحسنون حل مشاكلهم، وأناس يرضخون لإغراءات الحروب من أجل اكتساب البطولة وتصريف فائض الأسلحة.. وأناس يسلكون البدائية في القرن الحادي والعشرين! ... يتبع hamdahkhamis@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء