صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

عائلات

تتكاثر السنوات وراء بعضها في طابور العمر، ويجد الفرد نفسه مضطرا احيانا للخروج من طور عائلته الاولى لينضم الى عائلات جديدة يجد في احضانها الدفء والملاذ وسكينة الروح. والبداية عادة بعائلة المدرسة حيث الطلاب اخوة مؤقتون والمدرس أب عابر. وفي المدرسة يدرك الصغير ان وراء الاسوار عوالم كثيرة ينبغي اكتشافها. البعض يختار ان يعيش في حضن عائلتين اثنتين في البيت والعمل، والبعض تتسع لديه الرؤية فيرسم مجموعة من الدوائر هي عائلاته الاولى هي البيت والثانية هي العمل والثالثة هي ناس المدينة التي يعيش فيها والرابعة هي الدولة ثم الأمة ثم العالم باسره. كلها عائلات ينتمي اليها هذا او ذاك كل بحسب قناعته ومدى اتساع قلبه ليشمل حب الناس. الشاعر يخلق لنفسه عائلة من الكتب والاوراق والاقلام، وهم لديه أعزّ من اقرب الاقرباء، حيث يخرج الابطال من الروايات مطرزين بالنصر، او ترتبك الدنيا في قصة قصيرة لعاشقين افترقا، او تتناثر الدلالات في قصيدة الحب فتتحول الكلمة الى زهرة يقطفها المجروح من بستان الشوك ويصير القمر دمعة والقلم عكازا والحبر نهرا يعاند مجراه. وفي العادة فان من يعيش مع عائلة الكتب تتلاشى عنده الابعاد فيسبح في الماضي ويأكل من شجرة المعرفة ويخوض معارك شتى ويصغي ايضا لاغنيات في العشق والحرب والامل البعيد. والبشر يتفننون في ابتكار عائلات جديدة دائما، وتروي الاساطير عشرات القصص عن رجال صادقوا الحيوانات حد العشق والبكاء، وليس غريبا ان تجد من يعيش اليوم وسط قطيع من القطط او الكلاب او الخيول لانها تشكل عائلته الثانية وربما الاولى. كذلك هناك من يجعل من الاشياء عائلته فترى احدهم يغرق في التحف الفنية وآخر يهوى المسكوكات ويقضي معها ساعات طويلة متأملا غارقا يسمع صدى الماضي يتردد من صمتها الازلي. اليوم، يبتكر كثيرون عائلات جديدة عبر الانترنت متجاوزين حدود البحار والانهار. عائلة البريد الالكتروني حيث تحمل رسائلهم اخبار العالم وطرائفه، وعائلة (الشات) حيث اللقاء وجها لوجه بالصوت والصورة مهما طالت المسافات بين الشرق والغرب، وعائلة (الفيس بوك) واخوة المنتدى وغيرهم. هذه العائلات الالكترونية التي تحيا بضغطة زر وقد تموت وتمحى بضغطة زر اخرى. اخيرا.. حين يلجأ الفرد الى العزلة القصوى ويجلس وحيدا في كهف وراء جبل بعيد. ترى من تكون عائلته؟ ربما الريح والقمر والشجرة والصخرة، وربما موجة الذكريات او اطياف الاحلام، وربما الصمت يصير ابا قاسيا والعتمة اما حنونا. وعندها يصير المنعزل من سلالة من؟ هذا الذي يرث الفراغ ولا يترك اثرا او نسلا او نقشا على جدار الزمن هو الابن المطيع لعائلة التلاشي. akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

لحظة وطن

قبل أسبوعين

عشبة الخلود

قبل 3 أسابيع

حبيب الصايغ

قبل شهر

سيدة المحطة

قبل شهر

خطوة العقل

قبل شهر

مجهر الحب

قبل شهرين
كتاب وآراء