صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أماكن

بعض القرى والمدن القديمة في بلادنا تبدو منازلها أشبه بالكهوف والجحور تعيث فيها الجرذان، وتعيش في أفنيتها الحيوانات الضالة والزواحف والحشرات، بعض القرى لا هي في الزمان الذي نعيشه، ولا هي فوق المكان، بل هي شبه مكان، كان يا ما كان، علقت به أخبار إنسان في زمان ومكان معينين، ولم يبق من واقعها غير شيء من الحياة وأشياء من الموت، قرى تناطحت فيها الجدران المتهالكة وتزحلقت الأزقة من اكتظاظ وارتضاض وانخضاض وانخفاض، وترامت أمام البصر كأنها ساحة للحرب كانت وكأنها باحة للحطب كانت وكأنها واحة للرطب كانت، ولكن بفعل فاعل أصبحت جرداء عجفاء قاحلة مضمحلة، باهتة ترقد على الأرض وكأن ما بينها وبين التضاريس خصام وسقام وأوهام واحتدام الحياة والموت. بعض القرى ميتة سريرياً، مسجاة في غرف العناية المركزة في انتظار الطبيب المداوي والدواء شحيح. المكان، أي مكان، أثر لإنسان ولمشاعره وآماله وأحلامه، عندما يصبح المكان خاوياً ذاوياً، متهاوياً، متساوياً مع الأفول والذبول والجفول، تباغتك فجيعة النهايات القصوى، ويهاجمك الخوف، وتشعر أن غياب المكان نذير لموت إنسان وابتعاده عن موطن الحياة والحركة وضجيج الحلم. بعض القرى هجرت وطلقت إلى الأبد، وبقيت هكذا شواهد لأثر ومطر وخبر يخبرك بأن القرية المسقوفة بصهد العراء وشهد الذكريات، لا عبق فيها غير رائحة الجدران والطين المنثور دمعاً مدراراً ليلاً ونهاراً، ولا شيء يعيدك إليها غير حلمك المقبور في رمل أزقتها وخبزك المحترق في تنانير الزمن اللاهث، العابث، المتسلح بمساحيق السرعة الفائقة. بعض القرى يعجبك أنها لم تزل صامدة، مكابدة، وتضنيك لأنها تمارس الفقدان والخسران وبهتان زمن غيرها، وطوفانه وطغيانه وافتتانه بما يفتن ويهتك ويفتك ويغرق ويسرق ويمحق ويسحق ويجعل الروح قروحاً وجروحاً. بعض القرى ظنها البعض أنها لقمة تالفة، فأطاح بها في المهملات من زمانه، وأشاح عنها في وجوم ورجمها رجوم الشياطين لتبقى أثراً من بعد عين، أو عيناً بلا أثر ولا بصر ولا بشر، ولا شجر ولا حجر. بعض القرى اتكأت على وحدتها، وعزلتها، وأناخت بعير النهوض مستفتية قلوب الناس، مستطلعة بزوغ ما لم يبزغ، متطلعة إلى غد لا تشرق شمسه إلا من خلف ضباب، ويباب، واقتضاب، واكتئاب. بعض القرى تنتظر من يقول الله حق، وأن الحق في أن نعتني بعرق الذين كانوا هنا، ونحتفي برائحة الذين كدوا واجتهدوا ويصهدون حرقة وحباً لمكان كانت على رمله تمشي أقدامهم، وحفرت التراب سعياً من أن تصبح الجدران عالية والأفنية واسعة، والقلوب دافئة، والأرواح متكافئة مع الأزمنة بمراحلها، ودوراتها وصولاتها وجولاتها وهوماتها واحتمالاتها. بعض القرى رغم كل الجفاء والاختفاء لا تزال تحلم بعين تلتفت نحوها، ويد تلتف حولها، وضمائر تصحوا من أجلها لتعيد إليها صحتها وعافيتها وازدهار زمانها.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء