صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

ماذا نضع على الرأس، الطربوش القديم بثقله التاريخي أم القبعة الجديدة بخفتها وغرابتها؟ تلك هي لعبة الطربوش والقبعة في تركيا، وسؤالنا الذي من بعيد، هو سؤال تركيا الدائم واليومي التي تتنازعها اليوم ثلاثة أمور: أمر الحنين إلى تلك الإمبراطورية الكبيرة ، التي اجتاحت العالم العربي وأطرافاً من أوروبا، مشكلة ذلك العلم ذي الهلال الإسلامي والنجمة التركية، والأمر الثاني الانعتاق من ربقة الخلافة الإسلامية، وإشكالات الرجل المريض، التي فرضها التوسع ومحاربة القوميات للشعوب المحتلة، ومحاولة تأسيس الهوية التركية الجديدة، التي سنها مصطفى كمال أتاتورك منذ منتصف عشرينات القرن الماضي، حين نادى بعلمنة تركيا وفصلها عن إرثها العربي والإسلامي، الذي شكل قالبها الحضاري على امتداد 500 سنة وعرفها به الناس، والأمر الثالث المطالبة بإلحاقها بالركب الأوروبي والانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، والاعتراف بها ضمن المنظومة السياسية واحترام حقوق الإنسان والتسامح الديني وعدم التعصب القومي. إن نزع الشروال التركي والطربوش، كان يمكن أن يتم لو سارت الأمور على سجيتها، وحسب ظروف التغيرات الاجتماعية والوعي المعرفي للأفراد، لكن مسألة الفرض صارت باتجاهين : اتجاه إلى نزع الشروال وخلع الطربوش وحلق الشارب، واتجاه إلى رفض النمط الأوروبي في الملابس والتعليم وأمور الحياة الأخرى، فمقابل أن تمنع مدرسة تقليدية تعلم الدين واللغة العربية، كانت تقام مدارس يسمح لها بالتعليم الجديد، وبث قيم جديدة في المجتمع شبه المحافظ وشبه المتدين، لقد سمحت تركيا للمجتمع التركي بأن يغير قشرته بنوع من الوصاية القسرية، كأن تفرض نمطاً تعليمياً وتمنع النمط القديم السائد، تفرض نمط الملابس الأوروبية وتمنع ارتداء الحجاب، وتفرض الحرف اللاتيني في كتابة اللغة التركية، وتمنع الحرف العربي السائد، وتحد من تدريس لغته وتحاصرها باللغة الإنجليزية والألمانية، وهذه الأمور قد تنجح في فترة مبتدعها، لكنها تظل تتفاعل مع قيم الناس وارتباطاتهم الروحية وطرق تفكيرهم في الحياة، التي تناسبهم وتتماشى مع مبادئهم التي يألفونها ويحبونها• اليوم وبعد مضي أكثر من 82 عاماً، مازالت تركيا تحاول عبور مضيقها إلى أوروبا فلا تقدر، رغم كل تضحياتها التي قدمتها وتقدمها، ولا تقدر أن ترجع خطوات إلى الخلف لتعبر مضيقها الآخر إلى آسيا والعالم العربي والإسلامي، فمازالت النظرة التركية المتعالية، لغة الباب العالي للأفندية معشِّشة في الرأس التركي الذي يضرب به المثل في المناطحة وعدم الاقتناع، فمنذ أن وضع أتاتورك زعيم الأمة التركية يده على الدستور مقسماً عليه بأنه لا توجد فيه عبارة عربية «بوكيتابتة بير كلمة أربجايوك» والتركي في حيرة، فالعربية لغة مقدسة عنده، تستمد روحانيتها من القرآن وهي في مفردة حديثه اليومي الذي لا يفضل تغييره كما غير أشياء كثيرة في حياته ، لذلك الأتراك لا يجيدون لغات كثيرة في تعاملهم مع الناس، فهل يجدون لغة تركية صرفة في التعامل مع أنفسهم؟

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء