لأن عواصف التاريخ عفرت وغبرت، وعثرت وغيرت من الصخور الرسوبية والنارية في الجغرافيا، فإننا وفي منطقة الخليج نريد ونحتاج إلى حرب شاملة، حرب الحب والعطاء، والثراء الثقافي، واليفوع السياسي، والينوع الاقتصادي، لتذهب عنا بعيداً حروب طائفية ومذهبية، عبثية مسفة ومتعسفة وخاسفة وعاصفة غيرت في المعنى وجزت عنق الحقائق وأبادت وأطاحت كثيراً من الثوابت التي كانت تجمع أبناء الإقليم، الوطن والبحر الواحد والتضاريس الممتدة من الشمال حتى الجنوب. نريد هذا المعنى الحقيقي في التواصل والتكامل لنحصد زمناً يزهر بالألفة، ويزهر بالمحبة، ويزدهر بالحلم الجميل النبيل الأصيل، بعيداً عن فوهات الحماقة وقذائف العصبية وطلقات الشوفينية ومفخخات التزمت والتعنت والاستخفاف والإسفاف بروح المنطقة ومشاعر شعوبها التي نشأت على التضامن والعيش الآمن والسلام والوئام والانسجام، بلا احتدام ولا اقتحام لمراحل ما بعد التاريخ، وما قبل نشوء المبادئ السامية. اليوم أصبحت منطقتنا وبعد تفتت وتفكك وتهتك كثير من الدول المجاورة والرئيسية صار لزاماً على أبناء المنطقة أن يستوعبوا الدرس، وأن يستفيدوا من تجارب أسست خراباً ويباباً وضباباً واحتراباً واضطراباً واستلاباً لمشاعر الإنسان وحقوقه المشروعة في العيش على أرضه آمناً مطمئناً مستقراً قرير العين هانئاً. اليوم صار من الضروري جداً أن نعي ما يدور من حولنا، وقد شبعت المنطقة وتشبعت بعد أن تشعبت بها السبل وصارت بعض الدول إلى طرائق قدد، ومناطق بددا، تحتكم إلى منطق العرق والمذهب والطائفة، وصار الطائفيون يعممون القيم بشعارات واهية، مستفيدين من الظروف الزمنية، ممتطين ظهور المراحل التاريخية في انتهازية ووصولية فجة ومقيتة، متناسين أن الحمل الكاذب وهم ولغم وعتمة ليل طويل لا يصحو أصحابها إلا بعد فوات الأوان وبعد أن تتحول المجتمعات إلى غابة تعيث فيها الوحوش والضواري والنطيحة والمتردية وما أكل السبع. صار من الضروري أن تقف المجتمعات كافة أمام هذا السيل العرم قبل أن ينصرم الوقت ونبكي جميعاً على اللبن المسكوب والدم المشخوب، والخير المحلوب، وصار من الضروري أن تفتح الأعين وتشنف الآذان بصوت العقل وبُعد النظر ونصوع الرؤية لحفظ ما يمكن حفظه. صار من الضروري أن يتقن أناس المنطقة إدارة أزماتهم وسد الطريق أمام الذين تحولوا إلى بؤر خطر، ومناطق تهور وتدهور وتحدر وبذور شرر. صار من الضروري أن يكون للمنطق فسحة، للجم ما يمكن اعتباره أساً لخراب المبادئ وسراب الثوابت واضطراب القيم. صار من الضروري أن تعالج القضايا الشائكة باحترام حق الإنسان في أن يفكر ويدبر ويتصور بما لا يخرج عن أسس السيادة الوطنية وما حققته الأوطان من منجزات، وما أنجزته من معطيات لابد من احترامها والإمساك بها والتمسك بصلبها وترائبها. صار من الضروري أن لا يصدق الناس كذبة من نجموا الشيطان بوردة البستان، في حين يعاني الإنسان من ويلاتهم وشطحاتهم وتأويلاتهم وتهويماتهم وافتراضاتهم الملغومة والمقدمة، والمدهومة والمكلومة بغياب الحق والحقيقة. صار من الضروري أن نحتفي بالحُلم، ونعتبر الحب مقياساً للولاء والانتماء.