صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

«حريم السلطان»

أُحيّي الإضاءة المهمة لإدارة التراث العمراني ببلدية دبي، بتنظيمها مؤخرا محاضرة حول السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي كان يطلق عليه في الشرق “سلطان القارات الثلاث”، بينما عرف في الغرب باسم سليمان العظيم.
ورغم أن ظروف العمل حالت دون حضوري المحاضرة التي أقيمت في دار الندوة بمنطقة البستكية، بالتعاون مع جمعية التراث العمراني في الدولة، إلا أنني تواصلت مع المحاضر عبدالعزيز محمد صالح، الباحث التاريخي في إدارة التراث العمراني، الذي أظهر سعة اطلاع وتمكنا من مادة محاضرته. فقد كان سليمان القانوني عاشر سلاطين الدولة العثمانية، وصاحب أطول حكم فيها امتد لأكثر من 46 عاما (من 1520 حتى وفاته عام 1566).
واكتسب لقب “القانوني” إثر الإصلاحات الواسعة التي قام بها في النظام القضائي العثماني. شملت جوانب عدة في المجتمع كالتعليم والضرائب والقانون الجنائي. وحدد بقانونه شكل الإمبراطورية لقرون عدة بعد وفاته.
وفي عهده، فتحت أراض واسعة في أوروبا شملت البلقان وصربيا وجزيرة رودس وأغلب أراضي المجر، قبل أن تصد أوروبا جيوشه عند أبواب العاصمة النمساوية فيينا.
وخلال القرن السادس عشر أصبح أحد أبرز حكام أوروبا، مهاب الجانب يقود امبراطورية مترامية الأطراف ذات قوة عسكرية وسياسية واقتصادية. كما كان شاعرا وفنانا شهد عصره ازدهارا وتطورا في الفنون والأدب والعمارة. وقد كان يتحدث ثلاث لغات، إلى جانب لغته الأم، وهي العربية والفارسية والصربية. رجل بهذه السيرة والمسيرة الحافلة تعرض تاريخه لأبشع تشويه في المسلسل التلفزيوني “حريم السلطان” الذي يعرض الجزءان الأول والثاني على محطتين فضائيتين محليتين، إحداهما عامة والأخرى مدفوعة. فقد صوره المسلسل مجرد شخص مشغول بحياته الخاصة واختيار الجواري لمخدعه. وهو الذي غاب عاما كاملا عن قصره منشغلا بفتوحاته لإعلاء راية الإسلام. وطال التشويه جاريته “روكسانه” الروسية الأصل التي تزوجها وعرفت بخرّم سلطان، وأنجبت له السلطان سليم الثاني أحد أعظم السلاطين العثمانيين، والتي صورها المسلسل على أنها شخصية متآمرة تستغل مفاتنها لتمرير مخططاتها. هذه السيدة وقفت أكثر من 14 ألف فدان من أراض مصر لصالح خدمة الحرمين الشريفين، كما لها العديد من الأعمال الخيرية منها إكمال مشروع عيون زبيدة الذي كانت قد قامت به زبيدة زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، بعد أن تناهي إلى علمها شح المياه التي تصل إلى أهالي مكة. كما بنت مستشفيات ومساجد في تركيا وفلسطين ومكة، وهناك مخطوطات ومصاحف تحمل اسمها أوقافا لطلبة العلم والمساجد.
خطورة هذا العمل غير الفني، الذي ركز على مخاطبة الغرائز، أن وقائعه لم تبنَ على حقائق موثقة وردت في كتب التاريخ، وإنما على تقارير وكتابات سفراء أجانب. كما أن خطورته تتمثل كذلك في التجرؤ على التاريخ، بحيث لن يسلم من التشويه السابقون واللاحقون من الشخصيات التي لعبت أدواراً مهمة في التاريخ الإسلامي، لذلك قوبل باحتجاجات واسعة داخل تركيا نفسها التي تصالحت مؤخرا مع تاريخها العثماني، وانفتحت بصورة كبيرة على محيطها العربي والإسلامي، فمن سيردع الذين يتاجرون بتشويه التاريخ؟!


ali.alamodi@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء