كنتُ مستسلما لدوامةِ أرقٍ ألفتُه وألِفني في ساعات هجوع قليلة، فرحتُ أراجع ما أورثتني معاشرة الثقافة كسلوك وحياة، منذ تعرفي على عالمها، فوجدتني لا أحب أشياء وأحب أخرى، مقاسما في ذلك أصدقائي وزملائي المعاشرين للثقافة سلوكا وحياة. فمنها أنني لا أحب: ـ حفلات افتتاح المعارض التشكيلية، حيث تحجب الثرثرات والمجاملات والأطعمة حياة اللوحات التي تنزوي ذليلة وراء اكتظاظ المكان بالأجساد والأصوات. ـ الإلقاء المسرحي للقصائد في لحظات نجومية فاقعة، ومداعبة حس الجمهور المتلخص في صوت ونغم لا يبحث عما وراءهما من دلالة. ـ زوجات الشعراء وهن يظهرن معهم في المقابلات التلفزيونية حارسات لأحلامهم، قامعات لتذكراتهم عن نسائهم وقصائدهم، وجنونهم قبل أن تحرقه أيديهن في مطبخ العائلة. ـ الإهداءات المنافِقة مخطوطة أو مطبوعة، فهي سرعان ما تتبخر، بل يحذفها أحد الشعراء من أعماله الكاملة، ويُبقي على ما تشاء المصالح والحسابات. ـ الأعمال الكاملة للشعراء وتلك التي تتضمن مختاراتهم، لأنها إعلان عن الاكتمال، في عمل كالشعر بلاغته في عدم اكتماله. ـ مفاوضات الكتّاب مع الناشرين، ومنظر بعض هؤلاء وراء المناضد في معارض الكتاب يذبّون عن معروضاتهم بمنشّة البخل عيون الفضوليين من أصدقائهم، مذكّرين بباعة الحلوى للأطفال، وهم ينشون الذباب والأيدي المكبلة بالحرمان والفاقة. ـ عبارة (بقلم) التي فقدت معناها في عالم صارت فيه الكتابة بالقلم من المأثورات. وصفة (ناقد) التي تحيل إلى التسلط والحكم والقضاء. ـ الفتوحات التي ينسبها البعض لأنفسهم بأنفسهم دون تواضع، فهم عرّابو الأجيال، ومهندسو الحداثة، ومنظّرو النقد، في فراغٍ قبلهم، وخلاء لا يرون حرثاً فيه ولا نسلاً. ـ الاستعراض الجسدي والشخصي الفج دون مسوغات فنية التماسا للشهرة والرواج، واستكمال الظهور بما يشبه فيديو كليب المطربين الذي لا علاقة له بأصواتهم ومفردات أغانيهم. ـ الحوار الممل في المسرحيات والمسلسلات التاريخية التي تتحنط فيها اللغة، وتتناظر ألسنة الشخصيات في استنساخ لغوي ساذج، ينشز أحيانا ليغدو تكرارا لا دلالة له. ـ انتفاخ الروايات دون مبرر كحَمْلٍ كاذب أو ورم.. وازدحام بتفاصيل يمكن حذفها دون ضرر. ـ الوقت المتاح في الندوات واللقاءات الثقافية، بما لا يوازي جهد الباحثين ووصولهم إلى المكان، مما يعكس الإحساس بشكلية تنظيمها لا جديّته. ـ الترجمات الركيكة التي يصرّ صانعوها على تكرارها، مشوهين النص وصورته الثانية. ـ المناقشات المنحدرة إلى هاوية المهاترة والتجريح الشخصي، بديلا لحوار الفكر والرأي. ـ فضول الأدباء على السياسة، والسياسيين ـ الزعماء خاصة ـ على الأدب وظهورهم روائيين وشعراء وربما فنانين في مناسبات قادمة! ـ أخيرا مشاهد الخطف في السينما، وهي تعيد لذاكرتي واقعة اختفاء ابني في صندوق سيارة نهبها طالبو الجنة بالقتل، ومجاهدة إخوانهم العُزلاء!