«كل شيء في هذا العالم ينضح بالجريمة: الجريدة والجدار ووجه الإنسان». بودلير هذه العبارة قيلت حين لم ينحدر العالم بعد، إلى هذا القدر الرهيب من دَرْك الهاوية وأعماقها المشتعلة بشتى صنوف الجريمة والأوبئة والعنف الكاسح تحت يافطة القوانين أو خارجها.. الجريمة التي أصبحت غذاء العالم وناموسه الخفي والمعلن تلف تحت عباءتها الكونيّة جميع الكائنات، البشرية خاصة، من الدول الكبيرة والصغيرة وحتى الشعوب أو البشر العاديين والرعايا والمنكوبين وحتى رياض الأطفال الذين يتغذون بالقبح والجريمة قبل خروجهم من ظلام البطون إلى جلَبة ظلام العالم.. كل شيء ينضح بالقبح والجريمة والفظاظة، في النوم، الوريث الشرعي للكوابيس النهارية عبر تاريخه الطويل، أو في النهار المحقون من الصباح إلى المساء بسموم المحيط الاجتماعي والبيئي حتى التخمة والانفجار.. لا حاجة أن نقرأ الجريدة الصباحية كي نستشعر الخطر المحدق، أو نفتح التلفزيون أحد أمهات التعبير عن الكارثة ومن مصادرها الأساس في العصر الحديث، كي نرى الطاعون والقتل الإبادي بكل معانيه، يزحف من كل الجهات. لا حاجة لكل هذه الوسائط والوسائل، يكفي أن تصحو من نومك لتحسّ انك تحاول كسر جدران هذه البيضة المتعفنة، التي كنت مسفوحاً في ظلامها الغليظ والتي تُسمى (المنزل) لتخرج إلى عالم أكثر عنفا وغلظة، يكفي أن تضع أول قدم على أسفلت الشارع لتحس أنك أوغلت سنين ضوئيّة في أعماق جهنم الراشحة بكل أنواع الشرور والأوبئة.. تحاول أن تعزي النفس بالقول والهذيان، بأن البشريّة مرّت كلها في هذا المضيق الفائض بفخاخه وأقداره العاتية، عليك أن تتدبر أمر المرور والسير بأقل ما يمكن من فداحة وجراح.. عليك أن تتذكر الذين مروا قبلك لتأخذ منهم قَبَس عبرة وسلوان.. أن تفتش، كما فعلوا، عن مناطق الجمال والمتعة، مهما كانت صغيرة ولا مرئية، في مواكب الزحام الاستعراضي للقبح والقسوة التي تلف المشهد بكافة عناصره ووجوده.. أن تطلق عنان الخيال النبيل في التواصل مع الموتى النبيلين، ربما هم كذلك لأنهم موتى، وتستطيع أن تخلع عليهم غلالة من رومانسيّة وارفة حانية.. عليك أن تلوذ بنسبيّة الأشياء والوجودات التي ليست هي مطلقة في قبحها وجريمتها، كما ان النقيض، إذا صح التعبير، أيضا ليس كذلك.. تحاول وتحاول، (حتى ينكسر القلم على الورقة) والقدم على الرصيف، وتسقط مغشيّا عليك، ليس بسبب نشوة روحيّة بالتأكيد، لكن بسبب مطبّ آخر، ونشوة كابوس آخر.. تردد مع صاحب «الاخوة كرامزوف» ان الجمال هو المنقذ الأخير للعالم من الاستباحة والقسوة.. لكن الرسالة التي تنقض عليك في اللحظة، من أحمد بموسكو، تبدّد كل التوّهمات: «... أعتقد انه لا شيء ولا أحد سينقذ العالم من السطحيّة والقسوة والتفاهة، لا الجمال ولا حتى... لا شيء حتى جنون العشق العابر». لكن ألا يمكن لنا أن نردد مع هنري ميلر: «دعوا الموتى يأكلون الموتى، ولنرقص حول حافة فوهة البركان رقصة الرمق الأخير، ولكن ليكن رقصاً؟!».