صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

المشاهد ليست هي

سعد جمعة
في زمن الطفولة كان البيت كبيراً، مساحة الغرف شاسعة وحَوش البيت ممتد الأطراف، والزقاق المؤدي إلى البحر طويلاً، وساحة الحي بحجم ملعب كرة قدم، كان الناس جميعهم طيبين، والليل يخيم بهدوء، والنجوم ناصعة في الأفق الممتد عالياً، حتى أن العين يمكنها أن تحصي كم نجمة قرب القمر أو تحدد مسار النجمة التي تطل كل يوم على فضاء البيت المفتوح، وصدورنا تأخذ النفس من الهواء النقي من دون أن تضيق. ولكن مع مرور الزمن، حيث نكبر داخل متواليات العمر، لم نعد نرى بيتنا القديم كبيراً، لا مساحة الغرف ولا الحي الذي كنا نقطن، حتى الزقاق المؤدي إلى البحر، أصبح بالإمكان أن نقطعه في عدد قليل من الثواني، والسماء غير صافية إلا في الصحراء، إذ يمكن رؤية النجوم بوضوح وتنشق الهواء النقي.. مع مرور الزمن، لم يعد الناس كلهم طيبين، وصارت صدورنا تضيق من الأشياء والبشر وما يحدث من شر في العالم. ومع أزمان أخرى تعود الحياة جميلة، تستحق أن تعاش وتتلاشى صور كثيرة، حتى الواقع يغدو قشوراً يمكن تجاوزها. لقد حدث شيء ما وأصبحت المشاهد ليست هي في الواقع الذي رأيناه فيها.. شيء ما قد حدث وحرك بوصلة الرؤية. ولكن ما هو هذا الشيء؟ إنها حقب العمر حين تتقدم وتزدحم المشاهد في الذاكرة وتزداد التجارب في الحياة وتتسع الرؤية مراكمة ما يطلق عليه الوعي، الوعي بالأشياء، بالكلام، بالحب، بالتفكير، بالسلوك، بالتأمل، بالتخيل.. وهنا يحدث أن تتغير الأشياء في المشهد، كأن يصبح الكبير منها صغيراً في النظرة ولكنه يبقى كبيراً في المعني، بل أكثر كبراً مما كان عليه في سنين بعيدة، مثل أشياء الطفولة الروحية والمادية. يتغير أسلوبنا وإيقاعنا في الكلام، تنزاح كلمات من على اللسان وتحل مكانها كلمات أرحب، أجمل، وبقدر المستطاع نوجهها من دون أن نخدش أذن متلقيها وشعوره؛ حتى الحب يتوسع أفقه ومداه في صدورنا ويسكن فينا حد العدوى لكل من يقترب. والتفكير ندفعه مع صعودنا على سلالم العمر أن يعلو ويتفتح ولا يتوقف، أن يتمادى في المساحة الجميلة من الحياة. والسلوك أن نحيله كي يُعبر عن المعنى العميق لاحترامنا لآدميتنا وللإنسان فينا. والتأمل يصبح ضرورة يومية في الحياة، ضرورة تضفي مساحة أكبر من الجمال وتنزاح غيرها. والخيال يحضر ليكون بوابة المستقبل الأبدية. يحدث ذلك بالعمل الدؤوب على تنقية وتطهير الداخل.. تطهير الروح والقلب والنفس من شوائب الحياة، من الكره والحسد والغل والغيرة السلبية، حيث عكس هذا العمل يعني الثبات والتوقف عن الحياة. saadjumah@hotmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

عن الرياضة

قبل 3 أسابيع

فيروز.. والصمت

قبل شهرين

«ألاعيب العمر»

قبل 3 أشهر

.. وتعود الأيام

قبل 3 أشهر

تناثر كالرماد

قبل 6 أشهر

عن الماضي

قبل 7 أشهر

الذهاب إلى أنت

قبل 10 أشهر

الواقع الثاني

قبل 11 شهراً
كتاب وآراء