صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

وجوه على مائدة البحر


ماذا تريد تلك المرأة المشرفة حافة الحب وشفا الوقت؟!
ماذا تريد من بحارة طافوا آخر مرافئ العمر والوهم
متنازلين عن قبعاتهم البيضاء، وماء عيونهم الأزرق
متناسين ما جمعوه من حوانيت الدنيا
وما نثروه على شبابيك نساء الريح
دقوا مراسيهم
ثقلت جفونهم
وارتضوا العمل في مطعم شعبي
في حي لا يتذكره إلا السواح في غمرة جوعهم وبخلهم القاسي
أو شاعر يعشق لون ورائحة الخشب المحترق·
يظل ينتظر الغانية الإسبانية التي تطفح بعبقها الأندلسي
ليكتب في عينيها آخر ما رعفته الذاكرة ·· وأول التماسات النشوة
أو رسام مزقت رئته المدينة والزجاجات الرخيصة·
ماذا تريد تلك المرأة المشرفة حد الملل؟!
من مكان لا يذبل سراجه إلا بإغماضة عيون آخر الندماء
تلوثه بأناقتها التي في غير وقتها وغير محلها·
تضحك من النادل القصير القامة، غير مدركة أن نصفه الخبيث في الأرض
وتابعها الممتلئ ذهباً وما مجّه الرجال
يأتي متسللاً كغلام مؤاجر·
معتقداً أنه أخبث من البدوي الذي يسكنك·
يظل يساومك بما وعدت به في جنتك التي تجري
من تحتها الأنهار·
والمارد الأفريقي الذي بطول شجرة غاب قديمة
من يصدق أنه قطعة عنبر
وما التماعة الوجه إلا عرق الشمس وكد الناس المتعبين·
ماذا تريد تلك المرأة المشرفة حد الجنون؟!
والمكان تغزوه الأجساد التي تسكن الجهات البعيدة
كأنها الجمالات الصفر· كأنها النوق الحمر، كأنها ليست لنا··
يهج ذلك الأنف الأفريقي مثل بطاطا محروقة ولعاً
بالجسد والشعر الناري
والعامل الهندي المسكون بالسل المزمن
تهزه تلك الصدور الأطلسية
تسمّل عينيه
يصبح مثل صبي نزق يرغي ساعة الفطام
أو ناسك متأمل في سر الحياة الأول
هي رغبات تشتهى في أماكن ترتجى
ولكي تستكمل الوجوه اليومية دورتها،
وتستدير الطاولات بمشاغل العمال،
وتفاصيل رزق السادة الحَرام،
يظل البحارة يحكون عن البحر والمدائن والأماني،
عن الريح والمراكب والنوافذ والأغاني،
عن تلك المرأة المشرفة حافة الحب، حد الملل
والبالغة خيانة صديق بحار غيبته الموانئ·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء