صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

نعمل.. لكي لا نسيء للجمال!

مرات عدة، وحينما كنت أجلس على مقاهي باريس، كنت ألاحظ أولاداً وبناتاً في عمر الصبا، يرتدون زياً شبه موحد، وغالباً ما يكون الأبيض والأخضر، فيعتقد الناظر أنهم تابعون لإحدى الكنائس، أو من أنصار إحدى الجمعيات الخيرية، ينوون جمع التبرعات للمحتاجين، أو أقلها أنهم أشبال في حزب الخضر، لكنهم غير ذلك، هم متطوعون لنظافة مدينة باريس، هكذا يوجهون بوعي أهلهم، وهكذا يدركون معنى الوعي المبكر، وهكذا يفرح بهم مجتمعهم، كانوا يحضرون بخفة، وابتسامة طفولية، كل واحد منهم يحمل كيساً، ومقصاً ومقبضاً، ويرتدي قفازاً، يدخلون للمقاهي التي على الأرصفة، يخمون ما تحت طاولات الزبائن من أوراق أو أعقاب سيجارة أيام كان التدخين غير ممنوع، يملأون الأكياس، ويخرجون، يلمون ما يجدونه في طريقهم، تستوقفهم نبتة في أصيص، فيلقطون حتاتها من ورق يابس، أو ما رماه شخص غير عابئ على تربتها، أو يقلمون أوراقها الهايفة، ينصون أشجار ذلك الشارع المتأنق، والتي غدت كالحارسات الهرمات، ينظفون ما حولها، ويذهبون متنقلين إلى مكان آخر، هؤلاء كانوا فتية يقضون وقت عطلتهم، وفراغهم، يؤدون شيئاً من أجل جمال مدينتهم الغالية! مرّ على هذا المشهد سنوات، وذكّرني به فريق ياباني مكون من 16متطوعا، يحملون شعار «إحساساً بالمسؤولية تجاه الجمال» قاموا بتنظيف ساحات باريس وشوارعها المشهورة، هذا الفريق الياباني الذي يرتدي السترات الخضراء، كونهم أعضاء في الجمعية اليابانية «جرين بيردز» أو «الطيور الخضراء» التي تم تأسيسها عام 2003 ويعم نشاطها 30 مدينة في اليابان، وقام المصرفي الياباني«يوشيكاتسو سيكوجوشى» بإنشاء فرع لهذه الجمعية في باريس تحمل الاسم نفسه، ولا يشعر الباريسيون من مسؤولين أو أفراد بأي نوع من الحرج في تولي هؤلاء اليابانيين أمر تنقية مدينتهم، مما حدا بالكثير من الفرنسيين إلى الانضمام لهؤلاء الطيور الخضراء، مكملين عمل ما يزيد على 5 الآف من عمال النظافة الذين يجلون باريس طوال ساعات اليوم، حيث مخلفات الكلاب وحدها، وقبل أن يسن لها قانوناً يحمّل أصحابها مسؤولية مخلفات كلابهم، يكلف الدولة ما يزيد على عشرة ملايين يورو. بين باريس، واليابانيين قصة، حيث يؤمها كل عام ما يفوق على 800 ألف سائح، يصرفون بسخاء غير عادي، لكن لدى الكثير منهم مشكلة نفسية من جراء هذه الزيارة، شخّصها عالم النفس الياباني «هيروكاي أوتا» بـ«متلازمة باريس» وهي مسمى للفاجعة التي تحلّ بالياباني حينما ينزل باريس، وصدمته، وعدم تصديق عينه التي ترى مناظر غير رومانسية، كما كان يتخيل أو شاهد في السينما أو قرأ في الكتب، فمنظر القمامة، والمخلفات في بعض الشوارع والأحياء، وتخلي الفرنسي عن أناقته، يترك أثراً غائراً في نفس السائح الياباني، ويجعله ينكص إلى الذات، ويقرّع النفس، مما يسبب له انتكاسة صحية يذهب بعد عودته للعلاج في العيادات النفسية بغية الشفاء من رحلة باريس. لكن بالتأكيد ليس هو هذا السبب الذي حدا بفريق الطيور الخضراء الياباني أن يسعى بهمة لا تفتر إلى تنظيف هذه المدينة التي يعشقها الجميع، وإن تسببت للبعض من مواطنيه اليابانيين بجرح نفسي، غاية هذا الفريق الجمال، وإحساسه بفداحة أن يخدشه أحد برمي ورقة أو علبة شراب فارغة، أو أعقاب سيجارة، أو ترك بواقي أكل أو مخلفات حيوان على خد مدينة النور.. بعض الشعوب لازماً عليك أن ترفع لها الشابوه!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء