في الدوائر والمؤسسات الخاصة والعامة تخرج الهوية الوطنية على استحياء تطل من خلال لغة ليست من صلبها ولا من نسيجها، لأن «البرستيج» يتطلب التخاطب بين هذه المؤسسات وموظفيها بلغة غير اللغة العربية، بل إن البعض يعتبر «العربية» شيئاً من الماضي الذي لا يتناسب ولا يتواءم ولا يتلاءم ولا ينسجم مع لغة العصر، بفضائها المفتوح.
نقول بصراحة: آمنا بالله ونبصم بالعشرة أن هذا العصر هو عصر الفضاءات المفتوحة، ولكن لو أخذنا مثالاً من كوريا الجنوبية، هذه الدولة الآسيوية، النمر القوي، الذي ثبت أقدامه على أرضية صلبة في مجال الاقتصاد والصناعات الثقيلة، فلو ذهب وفد من أي دولة في قارات العالم إلى كوريا، فإن هؤلاء لن يتكلموا إلا بلغتهم، وليس هذا استخفافاً بالآخر أو تقليلاً من شأنه، وإنما هو احترام للغتهم التي تمثل هويتهم القومية، ونحن إذ نقدم كوريا كنموذج، فإننا نتمنى أن تقتدي المؤسسات «المفترية» بكل ما هو جيد ويخدم مصالحنا الوطنية، ولا أعتقد أننا نطالب بحل المعجزات، بل بتقديم الأولويات على كل شيء ثانوي يعتنقه البعض وكأنه الجوهر في الحياة.
فنحن نعيش في وطن قدم للعالم نموذجاً حياً في التطور والرقي الإنساني وطن استهل الشفافية كمبدأ فأصبح حقلاً زاهراً زاهياً، مزدهراً بالأجناس والثقافات، الأمر الذي يجعلنا نصر على ترسيخ اللغة العربية، ليس في المناهج المدرسية فحسب، وإنما في كل مكان عمل، وتعامل وتفاعل مع الناس، لأنه يعبر عن قوة إيماننا بنقاء هويتنا وتشابكها المتين مع لغة التاريخ وعبارة الجغرافيا، هذه اللغة التي نجد فيها أنفسنا كما يجدنا الآخر فيها، ومن يعتقد أن الخروج عن نص اللغة أو لا يثير مشاعر ولا يضير هوية فهو مخطئ، ويكفينا هماً وغماً وسقماً مما نلمسه على السن الصغار والذين نشأوا على أيد مرتعشة، وألسن تضرب الدال بالذال، وتعجن الحروف كما تعجن أطعمة المطابخ.
فاحترام الوطن من احترام هويته واحترام الهوية من الاعتزاز باللغة الأم التي وضعنا حليبها من ترائب تاريخ وتراث لا يمكن أن نضعه على الأرفف حتى إشعار آخر، ونختزل زماننا بلغات التعاطي معها قد يؤدي إلى كوارث خاصة بالمؤسسات ذات العلاقة بالمصير، كالمستشفيات والصيدليات مثلاً.
ولا نطالب الملفات الأخرى نفسها في صحارى النسيان، دائماً نقول إن هذه اللغات لها مكانها ووقتها وضرورتها ضمن الاحتياجات الخاصة بالأشخاص أو المؤسسات.



Uae88999@gmail.com