برج السلطان أو برج العجب ليس من الأبراج العمرانية، أو هو من عجائب الدنيا الجديدة، بل هو برج من أبراج الحظ، لكنه لا يعتمد على الحسابات، وطوالع النجوم، ولا على التنجيم والرجم، بقدر ما يعتمد على كلام من اختراع مهرج السلطان وتنابلته، وحكاياتهم المصطنعة التي تجلب الحظ، وتفرح القلب، وتجعل من صاحب البرج بلا نكد وبلا غضب، وكل يومه في سرور وحبور· مهرِّج السلطان ما أن عرف أن مولانا، ووالي نعمتنا، هو من مواليد برج الجدي، حتى سطا عليه، وحوله من التنجيم إلى التهريج، وجعل يملي على العرافين ما يشعر أن السلطان إن سمع به سيكون في الغد راضياً، وخالياً من الهموم، والبِشر والبشارة تعلو محياه، ليتفرغ لحكم السلطنة، وتفقّد أحوال رعيّته الذين يدعون له في ذيل كل صلاة، بطول العمر وبسط الرزق، وأن يغاث بالغمام، وأن يفتح الله عليه ممالك الإفرنج والكفار، ويجعل نساءهم غنيمة للمسلمين، وحرائرهم عبيداً للمؤمنين· تحول برج الجدي إلى برج السلطان أو برج العجب، واختفى المنجم، وظهر المهرّج، فكل الصباحات تبدأ بأن هذا الصباح مبارك بفضل رعاية الله وحفظه، وأن المساء سيكون أجمل، إن قضى السلطان نهاره في افتتاح المشاريع، وقصّ أشرطة إنجازاته الواعدة، وطاف على أزواجه، وما ملكت يمينه، واستمع إلى مزاهر الجواري والقيان، وأكل ما لذ وطاب من أيدي الغلمان، واختتم ليلته بركعتي الشفع وركعة الوتر، والناس نيام، ليهنأ بالسبات قرير العين، تحرسه الملائكة وأعماله الطيبة، وسيرته العطرة· برج السلطان أو العجب إن تحدث عن الحب، فهو حب الرعية، وحب الحاشية للسلطان، وإن كانت سفرة قادمة، كان الفأل وحسن الطالع والعود الأحمد والطائر الميمون، وإن مرت غيمة على أراضي مولانا، كان حديث البرج في الغد عن الغيث الذي يغاث فيه الناس، بفضل عدل السلطان، وإخراجه زكاة أمواله، وبسط الأمن، والحد من الظلم، وإن كانت جيوش الأعداء وصلت الثغور، فالنصر المؤزر لجيش السلطان والظفر له ولفرسانه الميامين، وإن سرى خبر في أروقة القصر وسربته إحدى الوصيفات أن مولاتها وتاج رأسها، قوت القلوب، تشهت النبق الأخضر، وهفت نفسها للعنب الرازقي، كان طالع البرج يبشر بأن القادم، سيكون ولداً، وسيترعرع في عز والده، وينعم بجاه أمه، وسيكون له شأن عظيم في قادم الأيام، وإن حيكت مؤامرة لقلب الوزير، وإبعاد الوالي، ومحاسبة المتصرف، كان الغد يحمل وصية للسلطان، ملفوفة في ثنايا ورق برج حظه، أن يحذر المقربين ويبعد المنتفعين ويعزل الطامعين، وإن كان شهر رمضان، كان الكلام عن التوبة والغفران، وأن الخطايا ستحط عن ظهر مولانا، وما أن تصل العشر الأواخر حتى ينقى من الخطايا مثلما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ويخرج مغسولاً بالماء والثلج والبَرَد، وإن كانت رحلة صيد، فسيكون السهل غاصاً بالغزلان وبطيور البر، وإن حان موعد وصول قافلة اليمن أو الشام، فرزقها وفير، وخيرها عميم، وطريقها سهل، يسير· برج السلطان أو برج العجب لا ينسى أن يختم يومياته وتنبؤاته بالصحة والعافية والسعادة الغامرة، وأن الحب يحوط السلطان من كل جانب، وحظه كبير خاصة مع الجنس الناعم الأثير، فهو فارس أحلام العذارى، وسابي قلوب الخرّد الغيد، وأن سعادته ستطول، وعمره مديد، وطريقه سديد، وأنه من المبشرين بالجنة، في منزلة الشهداء والصدّيقين، وحسن أولئك رفيقا·