أغلق عليها بابها. دعها تصير نُضجاً خاسراً، وكفّن رمادها بالورق. هذه الكلمة التي فطست في عمق ذاتك. الكلمة المحنّاةُ أطرافها بدم الذكريات، الموسّمُ عظمُها بطفولةٍ غادرتك مبكراً، لتصير في العاشرة مجرد دهشةٍ تركضُ بين أزقّةٍ تظل تضيقُ تضيقُ، وأنت تراها تتسع. وفي العشرين، تصيرُ جسراً يتهدم بين النقيضين ويجفُّ من تحتك ماءُ السراب. كأنك عندما رأيت عينين تبجّلان قفزك، وُلدت. وولد الحب من نظراتها، ونبتت من تلاشي ظلالك أجنحة ضوء مسافر. وأذكر أنني رأيتك تحفرُ في كتاب الشوك بحثاً عن خاتمٍ صدئ، وكان الجبناء من حولك مقطوعي الأصابع، لكنهم وجدوا في شقائك وعداً بانكسار العصا. وحين هلّ جرح الثلاثين، طفى قاربك المثقوب، وصار عليك أن تجدّف بقلمين، هما في الأصل رمحان، وأن تخدش بخربشاتك صفو المطمئنين في ترف السهو. كلما طعنت مكامن المعنى، أنّت لك المسافة، لعلّك أنت من يخطو في بدعة الاستقامة ويشقُّ درباً للاوصول. ستمشي، ولن يطول ليلك إلا والأربعين تدق بابك. افتح، أيها المكتظ بالفقاعات الجارحة. كُحّها صرخة صرخة ولكن في شكل صمت. وبشفاهٍ قطّعتها عضّة الحسرة، أنطق لأول مرةٍ باسمك العلني، أو باسمها السرّي، تلك العيون التي رمقتك في الطفولة فأحيت جناحك. قل لها إن أسئلتي غصّتي. وإن المداخل التي ظننتها تُحيلني لخروجٍ، اسلمتني إلى حبل المتاهة، وها أنا أجرّهُ مثل ذيلٍ أمامي، وها هو الزمن يجرّني عبداً من سؤال إلى سؤال. وخصمي في كل خطوٍ هو الريبةُ، واليقينُ الذي أرجوه يتفتت حتى قبل أن أدوس على مستقر. أحملُ المفتاح الذي منذ خمسين عاماً من خشب، أهزُّ قضبان الحديد ولا يهتزُّ سوى ذراعي. وأخضُّ حصّالة الكلمات، ولا يتناثر منها سوى صدى فراغها. قالت الساعة: دُر معي. قال الوقتُ : لُذ بالفناء فما من خلودٍ حتى لحجر. يكفي أن تُدرك أن عمرك مجرد سلمٍ مقطوع. الجدرانُ أعلى من سمائك البعيدة، فانظر على أي جانب منها ستسند ظهرك، وفي أي اتجاه ستطلق رجليك. وإن رمت أن تقبض على الريح، فأنت قابضٌ على جوهر ضائع. والحقيقة التي هدّك البحث عنها، إنما مخبوءة في قرارة ذاتك المتقلبة. فإن وجدتها، وإن لمست يوماً أنك حرٌ للحظة، تشبّث هنا. وسترى أنك مركز العالم، وأنك وحدك من يملك أن يبقى، أو يقفز خارج الدائرة.