صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

قصر الحصن.. وسخونة الدمعة

بين رؤيتي الأولى ودهشتها، وخطواتي الأولى وارتجافتها باتجاه قصر الحصن الأبيض في شتاء السنوات المتبقية من الستين، حين كان حاضراً يملأ المكان، وشاخصاً يهتدي به الناس، وخطوات ابنتي المتسارعة بالأمس باتجاهه، وسر اختلاجات الشعور بين رؤى أجيال وأحلام، وهو يحتفي بمرور 250 عاماً على الإنشاء والتعمير، وحديث التاريخ، مرت قرابة 45 عاماً من التذكر والتّذكار، كان حرياً بدمعة يخالطها الفرح، وشيء من الحنين أن تسقط دون استئذان، تذكرت الصورة بالأسود والأبيض، حينما كانت تلك الساحة الممتدة للبحر، برمالها الخُبّازية، وأشجار من الغاف واللوز والنخيل يستظل بها الناس، ويتخذها المرتحلون في ذلك الزمن استراحة، ينوخون رحالهم وركائبهم، ويأتيهم أكلهم ونميرهم منه، لا آثار لعجلات السيارات إلا قليلاً، كان هناك مدفعان قديمان على مقربة من بوابته الخشبية المسمّرة المتينة، وحرّاس كانوا جزءاً من المكان، و"بنديرة" بلونها الأحمر والأبيض تزاغيها الريح شبه الساكنة، وذلك الفضاء الرحب الذي يتسع لكل شيء، كان ذلك الحضور الأول آتين من العين لتسلم "الشرهات" السنوية التي أمر بها الشيخ زايد - رحمة الله عليه وغفرانه- لأهالي الإمارة التي بدأت تتلمس خطاها نحو التعمير والنهضة في كل شيء.
بينما صورة الأمس التي رأتها ابنتي ملونة، وخلتها أن لا تراها، لأن العصرنة تفرض هيمنتها، ولا تنحاز لشيء من الماضي القديم، ولأنه جيل النعمة ودعة العيش وبعض من التغرب لا تعني له بعض الأمور إلا بقدر البهرجة الأولى، لكن الأمس الذي أجبر دمعة أن تخرّ، لبهجة المكان الذي كنت أستوحش من هجره، وتغطيته وحجبه، وتلك العمارات الزجاجية المستأسدة التي تسرق من جلال الحضور والمقام، لكن فرحة الصغيرة به، وسؤالها عنه، شرح صدري، فجعلني أطوقها بكلمات قدر ما تسمح بها الطفولة، أتمناها أن تسكن الذاكرة، وتشعر بشيء من الفخر والتعافي إن مرت يوماً به، وأنه مكان غير المكان، وأن له هيبة التاريخ، وشيء من الروح.
وبين صورة الأسود والأبيض والصورة الملونة كان هذا المكان شاهداً على أيام من التسامي الثقافي، ورفعة الفن، وتلك المعرفة التي لا توزنها الأمور الثقال، كان رئة المدينة، ومتنفسها، على منصاته وقف رجال أحرار، في الكلمة، والموقف والنبل والمعاني، وفي جنباته تعالت أشعار، وأصوات محملة بحب الأوطان والأمهات، رسول حمزاتوف، الجواهري، نزار قباني، محمود درويش، عمر أبو ريشة، سميح القاسم، الأبنودي، والبردوني، وأمسيات لأسماء كثيرة كانوا يغزلون الحرف والنغم واللون، ولا يودعون المدينة والمكان إلا وفي عيونهم شيء من حُسنه، وفي ثنايا حقائبهم شيء من رائحته.
بالأمس كانت فرحة وبهجة، لأن بوابة قديمة فتحت مصراعيها للريح ولدبيب أقدام الناس، وللذكرى التي تحمل السنين الطوال، ولتلك الدمعة التي ستتذكرها طويلاً، وكثيراً تلك الصبية التي كانت تسأل: "بيت منوه هذا"؟


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء