إذا رأيت الشاعر قد تنكّب قصيدته وانطلق، فاعلم أن زلزال القصيدة قادم.. وأن الكلمات تُعبأ بعبوات من «بارود» القصيدة لتخرق جدار الصمت.
الكلمة سلاح لا يستهان به، يخافه الكبار قبل الصغار، وهذه على صغرها تهدم أمماً، وتقيم أخرى، تجمع، وتفرق، تجرح وتأسو، تضيء، وتظلم، تشق دروباً صعبة، بل مستحيلة، وتغلق أخرى في لحظات.. كانت وما زالت شيفرة السلام والحرب على مر العصور تستعصي على الجبابرة والظالمين.
الكلمة... القنبلة الموقوتة التي لا تكتشفها أقوى أجهزة المخابرات، فلا أحد يملكها غير صاحبها، ولا يشاركه فيها أحد. وفي الوقت ذاته هي وردة يفوح شذاها بمجرد تفتحها.
الكلمة... ستبقى ذلك العالم الصغير الساحر التي يستضيء العالم بنورها.
ما معنى أن تجيش جيوش، وتستنفر أجهزة أمن من أجل إسكات صوت شاعر.. أليس خوفاً من الكلمة وخطرها؟!

وفد الأعشى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد مدحه بقصيدته التي أولها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ....... وعادك ما عاد السليم المُسهّدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما ..... تناسيت قبل اليوم خُلّة مُهددا

وفيها يقول لناقته:
فآليت لا أُْرثي لها من كلالة.... ولان حفاً حتى تزور محمدا
نبيٌ يرى ما لا ترون وذكرُه.... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تُناخي عند باب ابن هاشمٍ..... تُراحي وتلقي من فواضله يدا

فبلغ خبره قريشاً، فرصدوه وهو في الطريق إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) وقالوا: هذا صُناجة العرب (لجودة شعره وأصل الصناجة اللاعب بالصنج) ما مدح أحداً قط إلا رفع الله قدره.
فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير، قال أردت صاحبكم هذا لأسلم، قالوا: إنه نهاك عن خِلال ويحرّمها عليك؟
قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القِمار: قال لعلّي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا، قال: ما دِنتُ ولا أدَنْتُ، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال: أوّه أرجعُ إلى صُبابة قد بقيت في المهراس (حجر محفور يسع كثيراً من الماء) فأشربها.
فقال له أبو سفيان: هل لك في خير مما همتَ به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت منا خلفاً، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى، والله لئن أتى محمداً واتبعه ليضرمنّ نيران العرب بشِعره، فاجمعوا له مائة من الإبل، ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع (منفوحة) قرية في اليمامة رمى به بعير فقتله.


Esmaiel.Hasan@admedia.ae