صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

يبيعون.. فلذات الأكباد

لم يمر زمن من الشح والفقر مثل ما مر على منطقة الخليج العربي، فالناس أكلوا النخالة، وشربوا من آبار ملوثة عششت فيها الدواب وعاشت فيها الهوام، ولكن لم يتورع أحد أن يفرط في فلذة كبده لأن العلاقة الإنسانية كانت تحكمها الوشائج واللواعج، وعندما كان الآباء يسافرون بعيداً بحثاً عن لقمة العيش كان للأقارب صوت وسوط في تربية أبناء المغترب أو العناية بهم ورعايتهم وحمايتهم من عواتي الزمن وبغض الأيام. لا يشعر الأبناء في غياب الأب لدواعي السفر أو غياب الأم لأسباب الموت أو المرض، لأن البدائل الطبيعية تقف حامياً وراعياً، فالأعمام والأخوال والأجداد وحتى الجيران كانوا الحصن الحصين عن فقد أم أو أب. ولكن لأن الظروف تغيرت والأيام تبدلت، والنفوس تكدرت، والقلوب جف الحنان فيها، والعقول انشغلت لما هو شخصي وذاتي، فإن العلاقة بين الأبوين كما هو بين الأبناء والآباء، أصابها ما أصابها من عتمة الذاتية والانخراط في أمور مادية بحتة جامدة، جمدت المشاعر، وأخمدت نيران العاطفة الجياشة بين أفراد الأسرة الواحدة، ما جعل التفريط بابن أو عقوق والد أو والدة أمراً من السهولة بمكان أن يسلكه أي شخص من الأشخاص. الثقافة الاستهلاكية ضربت عمق الوجدان الإنساني وجردته من إنسانيته ليصير الإنسان أشبه بالآلة التي يستخدمها، ولا يختلف أبداً عن سيارته التي لا تتحرك شبراً دون حشوها بسائل الطاقة، ولا يختلف بتاتاً عن هاتفه الذي لا ينطق دون شحنه بالكهرباء، الأمر الذي جعل من الحياة تدور دورة دموية جافة وبلا معنى ولا مغزى، وهذا ما أراد أن يعبر عنه الرجل السعودي الذي عرض بيع ابنه مقابل 20 مليون دولار بدواعي الفقر والحاجة إلى المال. صحيح يقولون إن الفقر كافر، وسيدنا علي رضي الله عنه قال لو كان الفقر رجلاً لقتلته، ولكن مع كل ما يفعله الفقر في الإنسان ويحط من قدره ويقلل من قيمته، لكنه لا يستطيع البتة أن ينتزع منه إنسانيته لولا الظروف الاستهلاكية التي صاغت سلوك الناس على أساس الأخذ مقابل العطاء، فإن يعرض أب ابنه للبيع فهذا يعني أن الإنسان أصبح أحط قدراً من الحيوان، فلو تصورنا أن هرة جائعة عرض عليها الطعام مقابل انتزاع أحد أبنائها من حضنها ماذا سيكون الرد، بالطبع سوف تموء وسوف تكشر عن أنيابها غاضبة محتجة على هذه المقايضة غير العادلة. وأتصور أن تجربة الرجل السعودي يجب أن تحظى بالدراسة النفسية والاجتماعية قبل النظر في وضعه المادي، فالمسألة لا تقتصر على الحاجة الماسة إلى المادة، بقدر ما هي تعبير مباشر عن واقع بشري وصل إلى حافة الانهيار والاندحار، بل والانتحار، والتنصل من كل معاني الإنسانية السامية. فهذا الإنسان الذي كرمه الله وسجدت له الملائكة يستحق التكريم بانتشاله من وحل الضياع، والانصياع إلى مهاوي المادية البغيضة. إنسان اليوم بحاجة إلى إعادة ترتيب في وجدانه وتهذيب مشاعره ليستعيد إنسانيته المفقودة.


marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء