الفن هو أحد أرقى الأفعال التي قام ويقوم بها الإنسان منذ أن اكتشف التعبير عن ذاته بالرسم وبالكلام، وأصبحت الفنون هي أنبل ما تلتقي عليه البشرية وهي لغة التواصل والتجاذب السهلة والجميلة بين الشعوب، حيث يخترق الفن حاجز الحدود ويتواصل مع المتذوقين والتواقين إلى الجمال والباحثين عن ركيزة التقاء مع بعضهم البعض ليؤكدوا آدميتهم والتقاءهم كبشر تجمعهم أرض واحدة وليس حدود وشعارات وأشخاص ودول، يجمعهم المعنى الإنساني الحقيقي الذي نجده في الفنون والأدب، حين تُنقل إلينا الروح الجمالية في الإنسان والطبيعة. وهنا يكف الفن ـ تشكيل، مسرح، موسيقى، سينماـ أن يكون دعاية للترويج عن منتج أو شركة أو مؤسسة أو حتى دول وعواصم وأشخاص، فهذا الدور ـالترويج والدعايةـ ليس من مهام الفن الحقيقي، فالفن يسعى دائماً الى أن يكون خارج مناطق الاستغلال من قبل المؤسسات والهيئات وحتى الدول، وإن وجدت علاقة لتلك الجهات بالفن، فإنها تكون علاقة رعاية واهتمام وفتح مساحة حرية التعبير للفنان كي ينتج فنه بلا قيد أو شرط وتوفير كل مستلزمات وظروف الإنتاج الملائمة له، أي أن تروج تلك الجهات للفن وليس أن يروج الفن لها. وهذا هو المنطق السليم في علاقة الفن بالمؤسسة، وأي شيء عكس ذلك فإنه يغدو مثاراً للسخرية والضحك على الذقون وكذلك الاستهزاء من قبل الفنان وكل من يتعاطى مع الفن بصورة معرفية ومدركة لحقيقة الفن ودوره. فعندما تحضر أسماء فنانين عالميين، خاصة الفنانين التشكيليين، فإننا نتذكر الفنان بذاته وحياته ومنجزه الفني، وتغيب عنا أشياء كثيرة، والبعض ربما تغيب عنهم حتى جنسية الفنان، ذلك لأن الفنان هو الأساس وما عدا ذلك من رعاة ومؤسسات ودول ومتاحف، ليست سوى انعكاس لحضور الفنان، وهو انعكاس قابل للتلاشي أو النسيان في توالي الزمن، ويبقى الفنان وإبداعه. لذا لا يمكن استخدام الفن الحقيقي، كدعاية لأي جهة رسمية أو خاصة؛ لا يمكن أن يروج الفن لأحد، سوى لنفسه وللجمال على الأرض وفي الفضاء، في الماضي والحاضر وفي المستقبل. من هنا من الضروري أن تستوعب المؤسسات والهيئات الفن بهذه الصورة، وأن تتعاطى مع الفنان كمبدع لا يمكن أن يروج إلا للفن والجمال والقيم الإنسانية النبيلة. ومن الضروري أن تتعامل معه كفنان محلي وتدعمه من هذا المنطق، ولكن عليها أن تدرك في الآن نفسه، انه فنان كوني التفكير، غير قابل للتطويع، وعليها أن توفر كل سبل الإبداع والإنتاج بلا سقوف تحدد حريته الإبداعية. saadjumah@hotmail.com