صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر

من يقصد لكسمبورج سيجدها فاصلة جميلة بين جملة صحيحة، وأخرى غير ناقصة، بلدة هادئة وادعة، تحوطها الخضرة ورائحة الشجر، حللت بها مرة فجراً فكانت المدينة لا تزال تتمطى، والحوانيت تفتح أبوابها بكسل، سكانها لا يتجاوزون 455 ألف نسمة، غير أن دخل الفرد فيها أكثر من 78 ألف دولار، كأعلى دخل للفرد في العالم، ومتوسط عمر الإنسان فيها 75 عاماً، والناتج المحلي يتجاوز 38 مليار دولار، لكن مساحتها 2586 كم مربعاً فقط، مقسمة إلى ثلاث مقاطعات، تجاور ألمانيا وبلجيكا وفرنسا، نسبة البطالة لا تزيد على 7 في المائة، بدأت مشوارها ككيان مستقل عام 1815 بعد مؤتمر فيينا، واستقلت عن هولندا عام 1867، نظامها دوقي دستوري «برلماني»، لغاتها الألمانية والفرنسية واللكسمبورجية وهي مشتقة من الألمانية. ميزة هذا البلد الصغير أنه يعمل ولا يلتفت إلى العالم إلا إذا كانت هناك فائدة من الالتفاتة، ينساه العالم ولا يتذكره لشهور، وهو غير حزين لذلك، ولا يشعر سكانه بالندم كثيراً، لا يهمه إن عرف مارادونا موقعه أو تذكر بوش الابن لون علمه أو خطط الأمين العام للأمم المتحدة لزيارته في نهاية ولايته، كثيراً ما يتعرض منتخب لكسمبورج لهزائم شبه قاسية أحياناً، لكن هذا لا يجعل الناس تشعر بالمرارة واليأس، لديهم محاصيلهم الزراعية ومنتوجاتهم وبعض المعادن ومطار دولي، وميناء، وبرلمانهم يتغير كل 5 سنوات، لا يسمحون لفرنسا القريبة منهم أن تتدخل في شؤون الدوقة، ورغم ذلك هم يساندون فرنسا في كل أحزانها وأفراحها، وزير الدفاع اللكسمبورجي لا يحمل نيشاناً واحداً، وقد لا يعرف قراءة الخريطة أو المشي على البوصلة ليلاً، لكنه يقوم بواجبه تجاه مواطنيه، ويحترم دستور بلاده، ويبجل مليكه. لوكسمبورج وأهلها قصة حين دخلتها جيوش ألمانيا النازية، قرر السكان دخول بيوتهم، وإغلاق الأبواب عليهم، مانعين الغزاة من تلويث بيوتهم بأحذيتهم العسكرية الموحلة، تاركين لهم شوارع المدينة وطرقاتها ومحالها، أما البيوت فهي لهم، ولا يجب أن يدخلها إلا الضيوف والمرحب بهم والأصدقاء، ورفعوا شعاراً: «إن بيوتنا هي خنادقنا»، داعين إن كان هناك موت فليكن في غرفهم وعلى أسرتهم أو حدائق منازلهم، لكن لن يستقبلوا الألمان الذي تسبقهم الدبابات والمجنزرات، لكن إن جاء الألمان مرة أخرى سياحاً بملابسهم وحقائبهم فأهلاً بهم. بعد مدة من صمت البيوت المقفلة أبوابها، والناس المتحصنون فيها، مانعين الحديث أو التعامل مع المحتل، خرج الجيش النازي الغازي من تلك المدينة التي قاومته بالحيلة، ساعتها فقط، فتح سكان لكسمبورج أبوابهم للشمس والهواء والحرية، وعملوا شيئاً واحداً نهار ذلك اليوم.. نظفوا مدينتهم وغسلوها! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء