صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

ذاكرة مسافرة··
من الممكن أن يتشاءم شخص لمرأى شخص آخر! يراه فجأة، فيختل وقوفه أو يضطرب في مسيره، يستعيذ بالله من هذا الصباح، طالباً خيره، مستكفياً من شره، هذا الشعور القاسي والمجحف، تجاه هذا الآخر غير المرغوب فيه، هل له حقيقة منطقية؟ قد يكون هذا الآخر لا يعلم بهذا الشعور، ولا يدري بما تكنه نفسك له، لكنه قد يدرك من بعيد أنه ربما عمل عملاً منكراً، أو أساء التصرف وحُسب عليه، لن يخطر بباله أنه مصدر شؤم بالنسبة للآخر، بعض الأشخاص يضطربون لمرأى آخرين؟ تظهر على وجوههم علامات الامتعاض، والضيق، وأحياناً القرف، مهما حاولوا إخفاءها، فالوجوه تفضح ما في الجوف، يصطبغ بعضها بحمرة الخجل والارتباك والحرج، بعضها الآخر تسودّ سحنتها، وكأن رياح السموم وسمتها بحرقتها أو كأنه آت للتو من دفن عزيز، والبعض الآخر ترى تفاحة آدم صاعدة نازلة، وكأن أحداً غرّه خلاً على الريق، ولو حاولنا أن نقرب المسألة إلى وضع علمي، وتفكير منطقي، فهل نفلح؟
شخص قد يرجعها إلى إحساس داخلي والإحساس الداخلي لا يخيب، وآخر قد يتحدث بعد تجارب، ويقول: ما أن أرى شخصاً بعينه، حتى تنهال عليّ المصائب، أقلها عندما أرجع بسيارتي إلى الخلف أصطدم بعمود خرساني، وهو الموجود في موقف السيارات منذ بناء العمارة، وكنت يومياً أدخل بسيارتي وأخرج، وأرجع إلى الخلف مرات، لكن مرآه وشوفته النحسة، هي السبب·
وواحد آخر يقول: منذ أن يدخل فلان بيتي، حتى أطلب من أولادي عدم الخروج، وأطلب من أمهم أن تخفيهم عن عينه أو تدهن وجوههم بالنيل، لأنه ما دخل بيتنا يوماً، إلا ويصاب أحدهم بحمى أو بمرض، وآخر مرة جاءت زوجتي بعد أن لمحت هذا الشخص من بعيد، وكانت متغشية، وبعد يومين انتفخ وجهها، وتقشر· وأذكر أن شخصاً في العين قديماً كانت الناس تتواصف به، وتحذر من عينه، يمر في إحدى طرق النخيل، ويرى بيدار يخرف النخلة، متعلقاً في حابوله، فيمر من جانبه، وبعد لحظة، تزلّ بالبيدار القدم أو تفرط به كربة، وهو المتمرس في طلوع النخل، تمر من أمامه سيارة مسرعة، فينظر إليها، ويصف خطفتها كـ الملبك أي كعود الثقاب سرعة واشتعالاً، فتتوقف السيارة أو ينفجر إطارها أو تظل تتعتع إلى أن تتوقف في مطلاع أو تفوّح وتدخّن ماكينتها·
ومرة حلف شخص بأغلظ الأيمان وهو صادق، أنه كان مع شخص من الذين أعنيهم، ونتعوذ بالله من شرهم، ومروا على عمارة جديدة تبنى، وكانت رافعة تعمل بها، تحمل الخرسانة والحديد إلى طوابقها التي تزيد على العشرين طابقاً، فرماها بنظرة رومانسية، متعجباً من عملها الميكانيكي، الدؤوب، وتحملها كل هذه الأثقال، وقدرتها على الرفع إلى أعالي السماء، وحلف وهو غير كاذب: أنها دقائق معدودة، وسمعنا ذاك الكرين قال طق، وتهايلت تلك الخرسانة من عل، ونزلت على سيارة مرسيدس، كان قبل قليل يثني على لونها، ونوعها الجديد، ويسأل عن صاحبها الذي تركها لوحدها، وهي في هذه الزينة وهذا الجمال·
والحديث عن هؤلاء الأشخاص يذكرني باحاديث قديمة انقرضت من بعض ذاكرة الناس، وهي حكايات من يسرون الليل، يركّبون مهفتين، ومن أقرب سطح يطيرون، يكون متعشياً في عمان، ويصبّح على رأس عمله في أبوظبي، وبعضهم يبيتون يقطعون جبال الفجيرة، وينكفون راجعين إلى العين، جالبين العسل واللومي ودهن الدار، ويتحدثون عن رؤية فلان، وأخباره، وعن الجو الماطر الذي صادفهم، وبعد وقت، بدأوا يتشكون من أعمدة الكهرباء الطويلة، ومن أسلاكها التي لا ترى، ويعبرون عن ضيقهم، وعن سوء حالهم الذي جعل البعض منهم ينشب في هذه الأسلاك مثل العصافير المهاجرة، أو يرجع إلى أهلة مجرّحاً، مخدشاً·وحكت لي بعض حفيدات عجوز، أن جدتهم مرة لقوها في الصباح حالّة على الدش، مكسرة الجوانح، وكانت منزعجة وتتحرطم قائلة: لا تغيروا شيئاً في هذا البيت من غير علمي، شو هذا اللي ركبتوه على السطح، من غير شوري·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء