صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

موت

حتى الآن لم أجد ما يمنعني وما يثنيني عن التفكير بالموت·· فهذا الفزع البشري، والجزع المتفشي أصبح داء عضالاً لا يمكن التحرر من صهده، ولا يمكن التخلص من حرقته، فسيل الدم أصبح أكثر طغياناً من سيل الماء على اليابسة لأن المتعطشين بحرق اللحم والعظم كثر، وكل له غايته وكل له حججه وذرائعه والموت واحد والفقدان واحد والخسارة واحدة، وأولها القيم الأخلاقية·· فهذه الغابة البشرية تعج بالوحوش، وتضج بالضواري، وتزدحم بالأنياب الصفراء، وتتزاحم فيها الأكتاف من أجل قضم آخر ما تبقى من رغيف الحلم البشري في حياة آمنة، ومعيشة لا يكتنفها بغضاء ولا شحناء، ولا حقد ولا صهد· قنوات فضائية بأكملها، تبدو لي كمحلات للمقاصل تنشر غسيل البشرية الرث والغث، وتشيع حالة من الذعر والرعب، والاستفزاز فكيف نستطيع أن نعلم أطفالنا رؤية الضوء بلا غشاوة وهم يصطدمون عيناً بعين بهذه الملاحم البشرية الدامية والموغلة بإراقة الدم أو المسهبة في البحث عن جسد حي لتأكله وتمضغه وتهلك اللحم· جماهير من هنا وهناك تلاحق الزمن الراكض نحو النهايات القصوى، وكأنها في مسرح فوضوي عبثي مريع وشنيع·· فلا أجد مبرراً لنفسي لأخرج من هذه الحومة المعتمة، ولأفصح عن ذات متطهرة من كل هذا الواقع المأزوم، المشؤوم والمكلوم والمثلوم والمكظوم·· لا أجد ما يجعلني أشاهد أو أقرأ عن واقع إنساني لم تلوثه أيدي العبث، ولم تخدش وجهه مخالب الإدماء اليومي· الصرخات تتعالى من كل مكان، لكن لا جدوى لأن طرقات الأخف الثقيلة أكثر وقعاً ودوياً وهديراً وزئيراً، ونحن البسطاء العراة إلا من قلوبنا الواجفة وأرواحنا الراجفة، وصدورنا النازفة لا تملك غير الدعاء بأن يلهم الله الإنسانية شيئاً من العقل وشيئاً من البصيرة لتتحدى غيها وسهوها ولهوها وتعترف أن لا شيء غير الجد وحده الذي يمكن أن يملأ نصف الكأس الفارغة، ولا شيء سواه الذي يمكن أن يعيد الصواب والنصاب ويمنحنا الثواب بلا عقاب· أقول للعالم أجمع، للناس ومن يملك الإحساس، أطفالنا الذين يرون هذا البريق الأحمر القاني اللامتوازن عن بث روعه وفزعه، بما سيحلمون غداً، وماذا سيتذكرون غير هذا الانسحاق المجاني الذي تذهب تحت عجلاته الحمقاء أرواح لا ذنب لها إلا أنها جاءت في زمن غير زمنها، وإنها مرت من هنا ساعة مرور الزواحف والقواذف فقضت نحبها وسارت الى حيث المجهول· أطفالنا هؤلاء الذين يرون الموت زحفاً على جثث، متسلقاً على جماجم ساحباً في دماء، رامحاً في هشيم، ماذا سيكتبون عن هذا التاريخ، وماذا سيحفظون منه وعنه وماذا سينقلون الى الأحفاد؟·· أسئلة تموج في الرأس فيذهب زبدها جفاء لأن الغارقين في الوحل، لا يرون ولا يسمعون ولا يبصرون، ولا يبتعدون ولا يتدبرون ولا يلتفتون إلا الى زنار الموت، فيهيمون ولعاً وهلعاً باتجاه مجهول يقود الى مجهول، والأرض تترنح من فيض وغيظ، وكبد وكمد منذ أمد·· فى ساحة نزال بلهاء هذه التي تزحف على الأكباد والأجساد، ولا تمنح غير الخسارة وبجدارة المتعطشين للدماء والسير بعيون عمياء وآذان صماء

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء