عندما لا يتصالح الإنسان مع نفسه، فإنه يعيش في خصام معها، يتطور هذا الخصام مع الزمن إلى عداء سافر ومن ثم مدمر، ولا يأتي عدم التصالح مع الذات بصورة مفاجئة وإنما هو نتيجة لتراكم خبرة وذكريات وصور مؤلمة تكون في الداخل وتظل خاملة إلى أن تكتمل دائرتها النفسية، ومن ثم تبدأ في الظهور على شكل تصرفات سلوكية تبرز الانتقام من الذات، ومن أمثلة الانتقام، الانتقام من الجسد كانتحار جسدي، أو الانتقام من النفس كانتحار النفس، متمثلاً في تعاطي المخدرات أو السرعات الفائقة في قيادة المركبات أو الانتماء إلى مجموعة مضللة والدخول في أوهام العقائد المخدوشة. ما يشهده العالم المعاصر اليوم من فرق ومزق وطرائق مختلفة ومتزمتة ومتعصبة ليس إلا نتيجة رغبة داخلية لدى الأفراد في الانتقام من الذات، فعندما يقدم شاب في عمر الزهور ويفجر نفسه، كي يقتل نفسه ويفتك بالآخرين، فهذا لا يعبر عن شيء سوى عن الانتقام من الذات نتيجة لعقدة ذنب تاريخية يعيشها هذا الشخص، وكأن تدمير الجسد تطهير للذات من عقد ذنب ماضوية والمراد هنا الخلاص من عذابات الحاضر للذهاب إلى المستقبل بروح متحررة من العقدة الزمنية.. قضية الخلاص من الذنب ليست جديدة، وإنما هي متعلقة في الذات البشرية، ولكن في كل زمن ولكل أمة وسيلتها في الانتقام من الذات، فهناك انتقام جماعي، مثل الانتحار الجماعي لدى فرق البوذية، وكذلك في الديانات الأخرى التي تقوم بجلد الجسد كتعبير عن طلب الغفران، أما اليوم ومع بروز الظاهر الأخطر، وهي ظاهرة الإرهاب فإن استخدام الدين وسيلة للتعبير عن مخزون التراكمات القادمة من العصور الجاهلة، فإنه يشكل موتاً جماعياً للأفراد المنتمين إلى الفكرة الجهنمية البغيضة نفسها. هذا الاتجاه بدوره أسس ظاهرة انتشرت كما تنتشر النار في الهشيم؛ لأن كتلة الجحيم أصبحت أكبر وأضخم في الذات الفردية، وعدم التصالح مع الذات صار سمة من سمات العصر نتيجة لغياب الوعي الروحي الذي احتل مكانة الوعي المادي، أو كما قال مارتن هايدجر عصر الميكنة، فالإنسان المحاصر بين فكي الآلة والطموح المادي أصبح خاوياً من الداخل، ولا يملك زمام الذات المنتقلة نحو المارة، وفي غياب الروح يصبح الجسد بلا معنى.